الرياض تعيد رسم خريطة "الممر الاقتصادي" وتستبعد تل أبيـ.ـب ،و سوريا هي الوجهة الجديدة
تدفع المملكة العربية السعودية باتجاه إعادة رسم مسار "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" (IMEC) عبر الأراضي السورية بدلاً من إسرائيـ.ـل، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في حسابات الرياض الإقليمية، وسط تصاعد التوترات في المنطقة وتراجع فرص التطبيع السعودي-الإسرائيـ.ـلي.
مسار جديد يتجاوز حيفا
وبحسب مصادر مطلعة تحدثت لصحيفة "جيروزاليم بوست"، تدرس الرياض بجدية خياراً لإعادة توجيه الممر عبر سوريا بدلاً من ميناء حيفا الإسرائيـ.ـلي، الذي كان يُفترض أن يشكّل المحطة المتوسطية الرئيسية للمشروع منذ الإعلان عنه في قمة العشرين بنيودلهي عام 2023. وكان التصور الأصلي يقوم على نقل البضائع بالسكك الحديدية من السعودية عبر الأردن إلى إسرائيـ.ـل، ومنها بحراً إلى أوروبا عبر ميناء حيفا الذي تديره مجموعة "أداني" الهندية بشراكة مع مجموعة "جادوت" الإسرائيـ.ـلية.
غير أن الرياض باتت تنظر إلى سوريا، بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024، كعقدة مركزية بديلة في شبكة الاتصال الإقليمية. فقد فازت شركة الاتصالات السعودية "STC" بعقد بقيمة 800 مليون دولار لإنشاء خط ألياف ضوئية يربط دمشق وحلب بمحطات الكابلات البحرية في ميناء طرطوس، فيما حصلت شركتا "موانئ دبي العالمية" و"سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية على امتيازات تشغيل لمدة ثلاثين عاماً في مينائي طرطوس واللاذقية.
كما رجّحت تقارير وجود تفاهمات سعودية-تركية لتمديد خط سكة حديد من غرب السعودية عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى الموانئ التركية على المتوسط، بما يتجاوز إسرائيـ.ـل كلياً.
أسباب التحول
يأتي هذا التوجه في ظل تراكم عوامل ضاغطة: استمرار الحرب في غزة وما خلّفته من تعثر شبه كامل في مسار التطبيع بين الرياض وتل أبيـ.ـب، إضافة إلى تعرض إسرائيـ.ـل لموجات متكررة من الضربات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية طالت مناطق عدة بينها محيط ميناء حيفا نفسه، ما أثار تساؤلات جدية حول جدوى الاعتماد على ممر تجاري يمر عبر منطقة نزاع نشط.
وتشير تقديرات إلى أن اضطرابات مضيقي هرمز وباب المندب خلال الأشهر الماضية كلّفت التجارة العالمية عشرات المليارات من الدولارات، ما دفع دول الخليج للبحث عن مسارات بديلة تحصّن تجارتها من مخاطر الإغلاق أو الاستهداف.
ميناء طرطوس السوري
في المقابل، لا يزال الملف النووي الإيراني محاطاً بالغموض؛ فبعد الضربات الأمريكية-الإسرائيـ.ـلية على المنشآت النووية الإيرانية مطلع مارس 2026، أوقفت طهران بشكل كامل تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفكّكت كاميرات المراقبة، ما جعل الوكالة عاجزة عن التحقق من حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت أو من مصير مخزون اليورانيوم المخصّب المقدّر بنحو 441 كيلوغراماً بنسبة 60%، وهو ما قد يكفي نظرياً لعشرة أجهزة نووية إذا ما جرى تخصيبه إلى المستوى الحربي.
ويصف مراقبون هذا الانقطاع بأنه الأخطر في تاريخ رقابة الوكالة على الملف الإيراني منذ بدء أزمته.
تركيا تعزز موقعها بـ"إف-35"
في سياق متصل، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على هامش قمة الناتو التي استضافتها أنقرة في 7 و8 يوليو الجاري، انفتاحاً على رفع العقوبات المفروضة على تركيا بموجب قانون "كاتسا" وبحث إمكانية استئناف بيع مقاتلات "إف-35" لها، بعدما استُبعدت أنقرة من برنامج المقاتلة منذ عام 2019 على خلفية شرائها منظومة "إس-400" الروسية.
وأكد ترامب أن القرار "لم يُحسم بعد" وأنه "قيد الدرس"، فيما عبّر رئيس الوزراء الإسرائيـ.ـلي بنيامين نتنياهو عن معارضته الصريحة للصفقة، محذراً من تسليم "أكثر الطائرات تطوراً" لحكومة وصفها بالمعادية لإسرائيـ.ـل. ولا تزال الخطوة تواجه عقبات تشريعية في الكونغرس الأمريكي، ما يجعل مصيرها مرهوناً بمفاوضات مقبلة بين واشنطن وأنقرة.
دلالات استراتيجية
يرى محللون أن هذه التطورات مجتمعة تعكس إعادة تموضع إقليمي أوسع؛ فالسعودية، التي لم تكن أصلاً طرفاً موقعاً على مذكرة التفاهم الأصلية لممر IMEC إلى جانب الإمارات، تتجه إلى تكريس شبكة نقل متعددة المسارات تشمل مصر والأردن وسوريا وسلطنة عُمان، بما يقلل اعتمادها على أي عقدة واحدة، إسرائيـ.ـلية كانت أو غيرها.
وتحذّر مراكز أبحاث غربية، من بينها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، من أن استبعاد إسرائيـ.ـل كلياً من المشروع قد يصطدم بمعارضة حلفائها كالهند وألمانيا، ما يبقي مستقبل الممر مفتوحاً على سيناريوهات عدة حتى الآن.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك