من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​صناعة الأنبياء الجدد: في نقد «تأليه الفلاسفة» وإسقاط القداسة الزائفة

خالد بيومي
​صناعة الأنبياء الجدد: في نقد «تأليه الفلاسفة» وإسقاط القداسة الزائفة


​تمهيد:

الفلسفة كأداة هدم لا معبد للتقديس

​يقول المفكِّر الماركسي البنيوي الفرنسي لويس ألتوسير: ”إن ما بقي من الفلسفة ليس إلّا تاريخ الفلسفة (أدبيات رثّة)”. إن الفلسفة في جوهرها الحركي وتاريخها الطويل هي في الواقع "ضد فلسفة"، والفيلسوف الحق هو بالضرورة "ضدُّ فيلسوف" آخر؛ وإلا فيمَ يتفلسف المرء إن لم يكن في مقام المساءلة، والتقويض، والهدم المعرفي للأنساق التي سبقتْه؟

​ومع ذلك، تشهد الساحة الفكرية والأكاديمية المعاصرة تضخماً لافتاً لظاهرة خطيرة يمكن تسميتها بـ "تصنيم الفلاسفة"؛ حيث تُضفى هالات من الطهرانية والعصمة والمقدس على أسماء وشخصيات فكرية، حتى أضحت المنابر تضج بـ "الأنبياء الجدد"، على حد تعبير كارل ماركس الساخر والمتهكم: ”ما أكثر الأنبياء هذه الأيام!”. إن هذا التقديس المفتعل يحول الفكر الحركي النقدي إلى دوغما جامدة لا تختلف عن الكهانة.

​إيمانويل كانط نموذجاً: عندما تشرعن العقلانية الفظائع الاستعمارية

​لنأخذ الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط —الذي يُقدّم عادة في المناهج التعليمية كرسول للتنوير والعقلانية الخالصة— كمثالٍ صارخ على هذا التناقض البنيوي بين الأسطورة الأكاديمية والواقع الفكري والتاريخي. يكشف التقصي في فلسفة كانت عن جوانب شديدة الرجعية؛ فقد كان مؤيداً صريحاً للنزعة الاستعمارية الأوروبية، وصاغ في كتاباته الأنثروبولوجية تراتبيات عرقية أسست للتمييز والمركزية الغربية الفجّة.

​ولم يقف الأثر الكانتي السلبي عند حدود التنظير؛ بل امتُصّت آراؤه ووُظفت سياسياً في مسارات دموية لاحقاً. فقد اتكأ عليها مستشار الحديد والدم، أوتو فون بسمارك، لشرعنة قيام "الرايخ الثاني".

والأدهى من ذلك، هو ما جرى في القرن العشرين عندما وظّف النازيون المفهوم الكانتي الصارم لـ "الواجب الأخلاقي المجرّد" لتبرير فظائعهم الإنسانية، وهو ما تجلى بوضوح صادم في محاكمة الضابط النازي أدولف أيخمان الشهيرة في القدس؛ حيث تذرع الطاغية البيروقراطي أمام المحكمة بأنه لم يكن إلا ممتثلاً للأمر المطلق الكانطي، ومنفذاً للقانون ولـ الالتزام (Obligation) القانوني والأخلاقي بأعلى درجات الانضباط البيروقراطي.

​إن الجانب الرجعي والخطير في الفلسفة الكانطية يكمن في ثبوت المُثل الأخلاقية وجعلها متعالية وجامدة، وتكريسها عبر فرض الالتزام القانوني أولاً، وبفرض وبسط السلطة العامة ثانياً، وهو ما يمنح الدولة —أية دولة مَهما بلغت شموليتها— تبريراً فلسفياً مثالياً لبسط طغيانها وقمعها تحت لافتة "الواجب والقانون".

​التجاذبات الفلسفية: بين هابرماس وتاريخية الأفكار

​بالطبع، حاول بعض فلاسفة الحداثة المتأخرة تفكيك هذا المأزق الشمولي؛ ولعل أبرزهم الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس، الذي حاول في قراءاته التفرقة بين "العقل الأداتي" (الذي يوظف كأداة للهيمنة والسيطرة) وبين "العقل الإجرائي التواصلي" بوصفه فضاءً ديمقراطياً حراً للتحاور والتبادل الفكري. غير أن محاولة هابرماس التوفيقية تظل تصطدم بذات العائق الكانتي البنيوي: وهو مشكلة المُثل الثابتة المفارقة للواقع والمجرّدة من التاريخ؛ فالمُثل عندما تتكلس وتنفصل عن الشروط المادية للمجتمع وعن نسبيتها الإنسانية، تتحول تلقائياً إلى قوالب حديدية قمعية بيد من يملك السلطة لتأويلها.

​هذا البعد التبريري والتعقيد المفتعل في الفلسفة الكانتية ليس وليد القراءات الحديثة بل لمحه القادة العمليون مبكراً؛ إذ يُروى تاريخياً أنه عند قراءة القائد الفرنسي نابليون بونابرت لترجمة الفلسفة الكانتية، ضاق ذرعاً بتنظيراتها المتعالية البعيدة عن حركة الواقع، فما كان منه إلا أن طرد المترجمين ونعت كانت علناً وبوجيز العبارة بأنه «دجّال» يبيع الأوهام اللفظية.

​تهافت النسق المعرفي: بنت زمنها لا أكثر

​إن تهافت النسق الفلسفي الكانتي لا يتوقف عند حد ممارساته السياسية أو تبريراته السلطوية، بل يضرب أسسه الإبستمولوجية (المعرفية) في الصميم. فقضية «الأحكام التركيبية القبلية» —التي اعتبرها كانت حجر الزاوية والمعجزة التي تفسر المعرفة الرياضية والفيزيائية والماورائية في كتابه "نقد العقل الخالص"— رُدَّت وفُنِّدت بالكامل من قِبل الفلاسفة والعلماء اللاحقين، خاصة مع ظهور الفيزياء الحديثة (الكم والنسبية) والرياضيات غير الإقليدية.

​من خلال هذا السقوط المعرفي لأطروحة كانت الأساسية، نفهم ونستوعب الدرس الفلسفي الأهم: إن كل فكرة، مَهما ادعت التعالي والخلود والإطلاق، إنما هي بنت زمنها وسياقها التاريخي والمادي، ولا يمكن فصلها عن شروط إنتاجها الإنسانية القاصرة.

​حق الإنسان في التفلسف: لاريجاني ومحاربة الكهانة الجديدة

​بالإسقاط على السجالات الفكرية والسياسية في فضائنا الإسلامي والمعاصر، نجد تجلياً واضحاً لأزمة التصنيم هذه؛ ولعلنا نستدعي هنا أطروحات ونقاشات المفكر والسياسي علي لاريجاني حول الفلسفة ونقده لتقديس الأشخاص ومفهوم "حق الإنسان في التفلسف".

​إن التأكيد على أصل "حق الإنسان في التفلسف" يمثل الأداة الفعالة والوحيدة لكسر احتكار الحقيقة الفلسفية أو الفقهية أو الفكرية. فالفيلسوف ليس بنبي، وليس معصوماً من الخطأ، ولا يملك صكوك الحقيقة المطلقة. والإنسان، من حيث هو كائن عاقل، يملك الحق الكامل في إخضاع كافة الأنساق البشرية للمساءلة والمحاكمة النقدية دون تهيب من أسماء الفلاسفة أو هيبتهم التاريخية.

​نحو عقلانية نقدية حقيقية

​ختاماً، إن المقال يستنهض الوعي الثقافي المعاصر للعودة إلى الرشد المعرفي: إن تصنيم الفلاسفة وتحويل أفكارهم الفانية إلى نصوص مقدسة هو اغتيال لروح الفلسفة ذاتها التي قامت أصلاً على الشك والنقد والمراجعة. إن تذكر "تاريخية الأفكار"، والجرأة المعرفية على نقد "الآباء المؤسسين" للفكر الإنساني، هو الخطوة الأولى والأساسية نحو بناء فضاء تداولي حر وعقلانية حقيقية لا تخدم الطغيان، ولا تبرر الاستعمار، ولا تصنع من البشر أنبياء معصومين.

​#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10010
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.