اليوم العالمي للسكان: كيف تحول "رعب الانفجار" إلى "فوبيا لمجتمعات الشيخوخة"؟
في عام 1968، هز كتاب "القنبلة السكانية" لـ "بول إيرليش" أركان النظريات الاقتصادية والاجتماعية، زارعاً رعباً عالمياً من أن التزايد السكاني المتسارع سيلتهم الأخضر واليابس، وسيؤدي حتماً إلى مجاعات تنهي الحضارة الإنسانية.
اليوم، وبعد نحو ستة عقود، يبدو المشهد الديموغرافي العالمي وكأنه قد قُلب رأساً على عقب. لم تعد الهواجس تتمحور حول "كيف نحد من الإنجاب؟"، بل تحولت الأسئلة إلى: "كيف نقنع العائلات بإنجاب الأطفال؟ وكيف سنواجه شيخوخة المجتمعات ونقص الأيدي العاملة؟"
بمناسبة اليوم العالمي للسكان، يقدم خبير السكان ودراسات الهجرة، الدكتور أيمن زُهْري، قراءة تفكيكية عميقة لعالم ما بعد "القنبلة السكانية"، مستعرضاً التحولات الهيكلية التي أعادت صياغة مفهوم التنمية البشرية والجغرافيا السياسية.
1. من "انفجار" إلى "انكماش": المعادلة المقلوبة
بينما لا تزال بعض البؤر الجغرافية (خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء) تشهد معدلات نمو مرتفعة، فإن غالبية سكان الكوكب يعيشون اليوم في دول انخفضت فيها معدلات الخصوبة إلى ما دون "مستوى الإحلال" (أقل من طفلين لكل امرأة).
الغريب في التحول الراهن، بحسب د. زُهْري، أن انخفاض الإنجاب لم يعد حكراً على الدول الغنية، بل امتد ليعصف بدول متوسطة ومنخفضة الدخل، لا سيما في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. هذا التحول دفع حكوماتٍ عدة إلى الانتقال من ميزانيات "تنظيم الأسرة" إلى تقديم حوافز مادية لتشجيع الإنجاب، والاعتماد المتزايد على الهجرة لضمان دوران عجلة الاقتصاد.
2. الاقتصاد السلوكي: لماذا لم يعد الطفل "أصلاً اقتصادياً"؟
يفسر الدكتور زُهْري هذا التراجع الحاد في الرغبة في الإنجاب بتحولات ثقافية واجتماعية واقتصادية جذرية:
في المجتمع الزراعي التقليدي: كان الطفل يمثل "قوة عاملة" مجانية ومباشرة للأرض، وضمانة لرعاية الوالدين في الشيخوخة.
في المجتمع الحديث: انقلبت الآية تماماً؛ تحول الطفل من "مساهم اقتصادي" إلى "مشروع استثماري طويل الأجل" يتطلب عقوداً من الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية الفائقة قبل أن يدخل سوق العمل.
"لا يعني ذلك أن قيمة الطفل قد تراجعت إنسانيًا، وإنما تغيرت وظيفته الاقتصادية والاجتماعية." — د. أيمن زُهْري
3. أفريقيا.. محرك المستقبل الجيوسياسي
في الوقت الذي تتجه فيه أوروبا، شرق آسيا، وأجزاء واسعة من الأمريكتين نحو الشيخوخة الممنهجة وتقلص فئة الشباب، تبرز القارة الأفريقية كخزان ديموغرافي وحيد للعالم.
خلال العقود المقبلة، ستكون أفريقيا المصدر الرئيسي للنمو السكاني العالمي وللأيدي العاملة الشابة. هذا التباين يعني باختصار أن مستندات الاقتصاد العالمي، أسواق العمل الدولية، وتوازنات القوى الجيوسياسية ستُكتب وتُصاغ بناءً على ما سيحدث للشباب الأفريقي.
4. الفخ الديموغرافي: الأرقام لا تصنع ثروة وحدها
يضع د. زُهْري يده على حقيقة بالغة الأهمية: وجود كتلة شبابية ضخمة ليس ميزة تلقائية، كما أن انخفاض الخصوبة ليس أزمة حتمية. العبرة تكمن في القدرة على الاستثمار.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك