"الكويت وطن آخر" للدكتور عادل العبدالمغني: ملحمة روائية ترسخ الهوية الوطنية وتكرم رموز الفكر الإنساني
في قراءة معمقة للمشهد الثقافي والروائي الكويتي، تبرز رواية "الكويت وطن آخر" للمؤرخ والأديب والموثق الكويتي الدكتور عادل العبدالمغني، كأحد أهم الأعمال الروائية التاريخية التي نجحت في تدوين الهوية الإنسانية والسياسية لدولة الكويت قبل قرن ونصف من الزمان.
الرواية، التي استغرق إعداد فصولها خمس سنوات كاملة من البحث والتنقيب، لا تقف عند حدود السرد الإبداعي المشوق، بل تحولت إلى وثيقة أكاديمية معتمدة تدرّس في جامعة الكويت وفي بعض الجامعات الأجنبية، حاملةً في طياتها رسائل وطنية وأخلاقية بالغة الأهمية ورسالة وفاء ملفتة لجيل الرواد.
الإبحار في عمق التاريخ: لقاء الأصالة في ممباسا
تتنقل أحداث الرواية بذكاء لافت خارج الحدود الجغرافية المعتادة للكويت، حيث تعود بالزمن مائة وخمسين عاماً إلى الوراء، وتحديداً إلى شواطئ شرق أفريقيا ومدينتي "ممباسا" وزنجبار، إبان الحقبة الذهبية التي كانت تمخر فيها السفن الشراعية الكويتية عباب المحيطات بحركة دؤوبة لا تهدأ.
بطل الرواية شخصية غير كويتية؛ قبطان يملك سفينة شراعية وينتمي لبلاد الأندلس البعيدة، تلك الأرض التي احتضنت يوماً أزهى عصور الحضارة العربية الإسلامية. وتشاء الأقدار أن يلتقي هذا القبطان الأندلسي بالنوخذة الكويتي عبدالله بن حسين في "ممباسا".
هذا اللقاء السريع سرعان ما تحول إلى جسر ممتد من الصداقة الإنسانية والتعارف الراقي بعد أن دعاه النوخذة الكويتي لتناول وجبة الغداء على ظهر سفينته الشراعية الكويتية.
وهناك، تجسدت قيم الكرم الحقيقي، وتذوق الضيف حلاوة التمر وخصوصية القهوة العربية، مستفسراً بفضول معرفي شديد عن هذه الأرض الطيبة التي يمثلها هذا النوخذة الشهم، والتي لم يسمع عنها من قبل.
الكويت في عيون بنيها: لؤلؤة بداخل محارة وسدرة في أرض طيبة
يرصد الدكتور عادل العبدالمغني في روايته فخراً واعتزازاً وطنياً يتدفق على لسان النوخذة عبدالله بن حسين وهو يعرف بوطنه، واصفاً إياه بأبلغ العبارات قائلاً:
"الكويت عبارة عن لؤلؤة بداخل محارة، وجذع سدرة في أرض طيبة.. جاء إليها ناس من جميع الدول المجاورة، يجمعهم حلم واحد وهو الأمن والأمان وبناء وطن. انصهر الجميع في قالب هذه البوتقة، وتعاهدوا فيما بينهم على حمايته، والالتزام بالأمانة وكلمة الشرف والاستقامة في العمل والصدق."
ويشير السرد إلى أن هذه الثوابت الأخلاقية كانت صمام الأمان الذي منع وقوع الخلاف والفرقة بين أبناء المجتمع رغم تنوع أصولهم واختلاف جذورهم. إنها الأعراف والتقاليد الإنسانية العظيمة التي يحملها أهل الكويت كأمانة في حقائب أسفارهم أينما حلوا وارتحلوا.
السيادة والعملة الوطنية: وثيقة عام 1886
في مشهد درامي مؤثر، يوثق العمل الروائي استقلالية الكيان الكويتي في ذلك الزمان تحت حكم الشيخ عبدالله بن الصباح (الحاكم الخامس للكويت)، حيث يخرج النوخذة عبدالله بن حسين عملة معدنية سُكت في الكويت في عام 1886 تحمل توقيع الحاكم، ويقدمها لضيفه الأندلسي كهدية تذكارية.
هذا الموقف جعل دموع القبطان الضيف تنساب تأثراً وانبهاراً بالمثاليات التي التمسها، متمنياً زيارة الكويت ونيل شرف الانتماء إليها، ليس طمعاً في ثروة وهو التاجر الميسور وصاحب السفينة الكبيرة، بل بحثاً عن قيم ومثاليات سامية وجدها مفقودة في بلاده.
لمسة وفاء: رحيل هادئ لعملاق الترجمة الدكتور طارق فخر الدين
ولم يفت الدكتور عادل العبدالمغني في حديثه مساحة الوفاء الإنساني؛ حيث سلط الضوء على النجاح الكبير الذي حققته الرواية بعد ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، مبيناً أن هذا الإنجاز جاء بجهود فريق عمل متميز قاده المغفور له بإذن الله الأستاذ الدكتور طارق عبدالله فخر الدين (رئيس جمعية الترجمة الكويتية والرئيس السابق لقسم اللغة الإنجليزية بجامعة الكويت)، وبمشاركة متميزة من الأستاذة فاطمة عادل فخر الدين في أعمال الترجمة.
وقد أبدى العبدالمغني حزنه الشديد لرحيل الدكتور طارق فخر الدين مؤخراً "بهدوء وسكينة ودون ضجيج"، دون أن يحظى بتكريم رسمي أو التفاتة تليق بمقامه في المؤسسات الإعلامية الرسمية.
ويستعيد التقرير مسيرته العطرة باعتباره خريج الدفعة الأولى لجامعة الكويت عام 1970، والذي قدم خدمات جليلة للدولة بترجمة آلاف الوثائق الرسمية وعشرات الكتب للباحثين والمؤرخين، ليكون نتاج ذلك كله اعتماد الرواية باللغتين العربية والإنجليزية كمقررات جامعية محلياً ودولياً.
صرخة أدبية وتوجيه للأقلام الشبابية
ويوجه الدكتور عادل العبدالمغني نداءً مخلصاً لشباب الكتاب ورواد القصة والرواية، بضرورة تسخير خيالهم الإبداعي لخدمة الوطن والارتقاء بالفكر والثقافة والأدب الرفيع.
ودعا الكاتب الأجيال الجديدة إلى الابتعاد عن اختلاق المشاكل والفتن الاجتماعية بين أفراد المجتمع أو الجري وراء الإثارة الرخيصة والروايات القائمة على الغرام المبتذل لمجرد نيل لقب "إبداع أدبي"، مؤكداً أن الأدب الحقيقي والراقي هو الذي يحافظ على الأخلاق ويعكس المبادئ الأصيلة والقيم الحقيقية للمجتمعات.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك