من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

"سعد اليتيم" ..القضية والقناع

كتبت: د. سميرة أبوطالب



تتعدد المضامين الفكرية التي ينطوي عليها فيلم "سعد اليتيم" الذي قدمته السينما المصرية عام 1985. ورغم أن بدايته تنبئ بشكل قوي بهذا الصراع الذي يتشكل على ساحة المجتمع بين عالم "الفتوات" كرمز للقوة البدنية الباطشة، وعموم الناس في خضوعهم لتلك القوة وانسحاق إرادتهم أمام جبروت من يمتلكونها، إلا أن مؤشر الصراع مع تصاعد الأحداث يتحول إلى أشكال أخرى منه، تبدل المواقع بين القوة البدنية في شكلها الصرف، إلى نوع آخر من القوة تتراجع معها كل القوى الأخرى؛ وهي "قوة المال" كشكل من أشكال السيطرة الاقتصادية على جميع الأطراف، وهو ما تجسده شخصية " موسى" الذي يعيش بين سكان الحي الشعبي، ويقدمه الفيلم من خلال علاقاته بالمجموع الذي ينتمي لهذا الحي دون التطرق إلى جنسيته أو هويته، ليتولى الحوار الذي جمعه مع "سعد اليتيم" وأمه "كرامات"، التي قامت على تربيته، بالإشارة إلى كينونته، وطبيعة الفكر الذي يعتنقه.


وإذا كانت الشخصيات والأماكن في هذا الفيلم تُقدم وفق رمزيات دالة عليها، فإنها في الوقت نفسه توضح طبيعة الصراع الأكبر الذي تدور في فلكه جملة من الصراعات الأخرى، بل تأخذ ملامحها منه؛ فالمكان الذي يدور حوله الصراع هو "تكية طبوزاده"، الذي يشير في أحد مدلولاته إلى مكان الذكر والمنقطعين للعبادة من المتصوفة، كما تحمل لفظة "طبوزادة" معنى "صاحب الأراضي"، وهو المعنى الذي يتضافر مع الحوار الذي أقامه "عبد الحي أديب" على ساحة "التكية" ليشير ضمنيا إلى الصراع على الأرض، الذي هو لب "القضية الفلسطينية أو "الصراع العربي الإسرائيلي" في تحولاته وتجلياته عبر الحقب السياسية المختلفة، لنجد أن الحكاية الشعبية التي اتخذها الثنائي "يسري الجندي" في تقديم القصة والإعداد السينمائي، و"عبد الحي أديب" في كتابة السيناريو والحوار، هي المدخل الذي تم اختياره لتعميق حضور تلك القضية؛ فالموضوع لا يتعلق بالأخ الذي قتل أخيه، على النحو الذي قدمته بداية الفيلم لتكشف الصراع بين "الخير والشر" فقط، ولا بقضية "العدل" التي أفاض الحوار السينمائي في سرد مسارات تحقيقه على لسان "فاضل"، والد الطفل الرضيع "زكريا"، الذي سيتحول لاحقا إلى "سعد اليتيم"، وقد راح يُحدّث العوام عنها قائلا: 

فاضل : العدل مش ح يتقام بينا إلا إذا كل واحد ضمن لقمة عيشه ..لازم نشتغل.. 

لازم كل واحد فينا يغمس لقمة عيشه بعرقه، واللي قبلينا قالوا إيه؟ اللي

 يشحت لقمته ضاعت عليه حريته. 

وإنما الصراع هو صراع على الأرض، وما يرتبط بذلك من وسائل الافناء المتعمد لكل ما يُثبت أحقية أصحابها فيها، سواء كان متعلقا بالجانب الروحي والثقافي، أو كان متعلقا بالجانب المادي الذي يؤكد هذا الانتماء ويعزز حضوره، وهو ما نجده في الحوار السينمائي الذي يجمع (كرامات/ كريمة مختار) صاحبة التكية، و( موسى/ توفيق الدقن) المدعي بحقه في التكية، وارتباطه بها كون رفات جده يستقر تحت أحد جدرانها، و(سعد اليتيم/ أحمد زكي) رمز الدفاع المستنير عن الحق المسلوب.

مشهد تأسيسي في الفيلم، يجسد فيه الحوار طبيعة الصراع ورمزية الدلالة فيه


ولا يمكن الفصل في قراءة المضمون الفكري للفيلم بين الأحداث في جملتها وبين هذا المشهد؛ إذ الحوار فيه يُعد حوارا تأسيسيا، يوضح ملامح الشخصيات، ويكشف دوافعها، وطبيعة العلاقات التي تربطها، وهو على هذا النحو، يُخرج الشخصيات عن حالتها الفردية ليجسد من خلالها شعورا جمعيا تمثله كل شخصية من أطراف الصراع، كما أن الصراع على الأرض في حد ذاته تتسع دلالته لتشمل "أرض فلسطين" أو غيرها من الأراضي المحتلة؛ فالفكر الذي يحرك شخصية المحتل واحد مهما تعددت الشخصيات التي تنطق به وتتحرك وفق معطياته، وهذا التجريد الذي منحه الحوار للشخصيات وللمكان بما يمثله من رمزية، يتيح هذا الاتجاه في قراءة الفيلم، ويجعل قراءة أحداثه مرهونة بهذا التأسيس الذي قدمه في هذا الحوار.

نموذجان للقوة المتصدرة في إدارة الصراع وتحديد ميزان القوى


ولا يتوقف دور الحوار المشهدي الذي جمع (سعد وموسى وكرامات) على توضيح الرؤية الفكرية التي تحكم طرفي الصراع، بل يوضح أيضا الأدوات التي يستخدمها ( الطرف الغاصب أو المحتل) في تحقيق مآربه، بما فيها (المال أو الذهب) كقوة اقتصادية لها قدرة قلب الحقائق وإن كانت واضحة للعيان، فضلا عن الترويج لأكاذيب وادعاءات تؤيد ما ذهب إليه هذا المحتل. وارتباطا بسياق الفيلم الذي بدأ بتقديم صورة للقوة التقليدية التي تعتمد على إدارة المعارك من قبل (الفتوات وأتباعهم)، فإن الشخصيات تلعب دورا كبيرا في الكشف عن التحولات التي طالت ميزان القوى في هذا الصراع؛ فشخصية (الهلباوي) التي قدمها الفنان "فريد شوقي" هي التجسيد الفعلي لهذا التحول الذي جعله يترك حياة (الفتوات) إلى حياة التجارة والمال، وأن يكون (موسى) هو الموجه لأفكاره في تأكيد صورة القوة الجديدة التي تنضوي تحت لوائها كل القوى بما فيها القوة التقليدية التي تمثلها شخصية (بدران) التي يؤديها الفنان "محمود مرسي".


عبد الحي أديب 


وتأتي شخصية " سعد"، اليتيم الذي تحققت على يديه نبوءة والده (فاضل) في أن العدل يتحقق طالما ضمن كل واحد لقمة عيشه من عمله، لتتجسد من خلاله رمزية الفكر الذي يحركه العمل، وأن خلاص "دراويش التكية" مما يُدبر لهم من قبل " موسى" والهلباوي هو في اتحادهم وترك حياة الدعة والراحة إلى العمل، وحماية أرضهم ومعتقداتهم من هذا الخطر المحدق الذي يشكله تحالف "موسى" و"الهلباوي"، واستخدامهم لكل الطرق، وإن كان من بينها الاجتراء على "المُقَدّس". 


تحالف المال والقوة لتغيير معادلة الصراع


واختيار "التكية" كمكان للصراع حوله، يأتي بمثابة الرمز لجانب آخر من القوى التي يريد المحتل اخضاعها، والتي تتمثل في القوة الناعمة التي يشكلها هذا المكان، وما ينطوي عليه من فنون وثقافات امتزجت بين جنباته، فضلا عن الجانب الروحي الذي تجسده حلقات الذكر والإنشاد. وقد زاوج الفيلم في طرح هذه الجوانب حين عكس صورا من حياة هذا المكان لحظة وصول الطفل الرضيع "زكريا" داخل "الكارتة" التي حملته إلى هذا المكان، والتي ستتحول لاحقا إلى رمز من الرموز الدالة على الحقيقة، وعلى أصحاب الحق، وكيف وظّفها صناع الفيلم لتكون جزءا من إدارة الصراع، والتلاعب بالحقيقة لصالح "المحتل" الذي تجسده شخصية (موسى/ توفيق الدقن).


الكاتب يسري الجندي 

لقد كانت الحكاية الشعبية إطارا اتسعت دلالته بوجود تلك الرمزيات التي عمقت المضمون الفكري للفيلم، لتحرره من الخصوصية الفردية إلى عمومية الطرح الذي يتعلق بقضايا أوطان كاملة، وليس حيز مكاني ضيق، يمكن تجاوز أثره، أو السكوت عما يطاله من تخريب وتدمير، وهي الرؤية التي تتسق مع الخط الفكري الذي انتهجه "يسري الجندي" في طرح مضامينه الدرامية، سواء كان ذلك مسرحيا أو تليفزيونيا، وحتى في السينما- على قلة الأفلام التي شارك في تقديمها على صعيد المعالجة السينمائية والإعداد، أو بكتابة السيناريو والحوار؛ إذ تتحول الأشكال التراثية لديه إلى منابع حية لمناقشة قضايا معاصرة، تتحد فيما بينها لتعميق المضامين الفكرية للدراما.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10020
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.