تصحُر الذات والاستلاب الوجودي وتأطير التداعي الحر وحمولة التيه الرمزية في فسيفسائية مشهدية.. ((مَخَاض)) أنموذجا.. يتحفنا المبدع كرم الصباغ
منذ استهلالية العنوان المشوقة وفرادتها تبحث عين النقادة عن رحم كوني يتفتق ليتمخض منه مولودا يستجدي الانظار في سينوغرافيا ومسرحة محيط من عدم، لما استبد الجوع والظمأ والانهاك بذاك الراوي السارد المتكلم في مونولوج ومناجاة ممجوجة بالحيرة والتيه، وكأنه يعيث في رهبة ودبق رُهاب حينما جف ثغره وذهب رمق البقاء ومازال البحث جاريا عن بقعة من مناص وملاذ وخلاص يشق هذا الجدب في فلاته، 'الماء' وما تحمله كمعادل موضوعي رمزي الدلاله كمصدر الحياة والقوة التي ستعيد الرضاب ورَّبتة من حنو وكنف بهذه الرمضاء التي تنسغه بسهام حارقة، بات الماء والعدم سواء بهذا العالم المكفهرّ.
مازالت (أناه) المعذبة تغوص في اديم ناعم ويتعاظم المشهد بتجلي المسافات والأمكنة القاحلة التي يباغتها رجلٌ هرِم غريب الأطوار وكأنه خارج من القبر وتعلو وجهه البثور؛ يقبع في انتظار طيور ملونة تتساقط كصيِّب أبابيل من السماء بشكل عمودي، لينبش بأظفاره الطويلة قبورا لها بعد تكبيلها بأغلال وزجها بأقفاص ومن ثمَّ يجهش ويلهج بعبارات مبهمة، ويكأن السراب تمخض عن تمثال لوحش كتمثال منحوت من الموجودات الغير آدمية يبصره الراوي كذراعين مفتوحتين يتوسطها رأس معلقَّة تتماهى مع غيمات مدلهمة من أسراب طيور تصدح بعواء الذئاب .
هذا هو Anti-hero الآخر الذي يمثل تهديدا وشيكا وخطرا يداهم الذات الساردة، اختزلت متواترة من أفاعيل قميئة تتوالى كشريط سينمائي مرعب أو من فانتازيا ماورائية أو كأرض التيه التي ارتسمها الشاعر إليوت ode to the waste land في لقطة من استلاب وجلد الذات المتأرجحة بين رهبة ومهابة واقع جامد ممض لتحيون الإنسانية وغضب وأد الطيور التي أرغمت على الأسر على الرغم من سجيتها الفطرية التحليق بجناحاتها.
ينتظر الراوي اللاهث غطيط الرجل الهَرِم ثم ينقض خلسةََ تجاه الاقفاص ليحرر ويفك وثاق الفرائس الطريدة، لكنّ نذير الشؤم والخوف يصرعه بقبضته الحديدية لتدفعه إلى فخاخ تتعمق وتطمس معالم وجوده بأعشاب ويعتصر (الآخر) رأسه لينزلق إلى الجوف ليأمن إفلاته، فإذا بحشد من طيور جارحة تتهاطل لتنهش فروة رأس البطل الذي يقاوم الوجوه المتآمرة، الأمر المثير للدهشة هو انتشاءة الهَرِم وتلذذه الألم كمازوخي يتغذى عليه، وهنا يتعاظم المشهد وتصل الحبكة ذروتها وتزعق بؤرة الصراع النفسي الداخلي والخارجي عندما نصل لخط النهاية والمفارقة المدهشة المعتقة بفلسفة والحمولة السيميائية للصراع الوجودي بين الجلاد وهو المجتمع المتواطئ من حوله ومهالك الضحية وهو الراوي لما قال: (لم ينتبه لمخاض الرمل وعين الماء التي تفجرت تحت كفي المضرجة بالدم).
هنا لحظة الإضاءة والانفراجة الكثاريتية من الجفاف الوجودي بهذا البعث الجديد والقيامة الاستشفائية من جمود الواقع لما تتفجر ينابيع تمحو آثار الهمجية ونزيف حرب كونية أدمنت اليباب واليباس في دهر رسف أوجاعه، لكن شارات النصر المؤزر ستأتي بريِّها حتماََ حتى ولو تأخرت، كأن القاص ينقش ترياقا بمبضع جراح للحقيقة المؤلمة وغصة الإنسانية في أزمان التيه ويؤكد بأن الحق سيحصحص وأباطيل الشر آيلة بين غياهب النسيان، وكأنه يذكرنا بأبيات الإمام الشافعي الخالدة: (ضاقَتْ فَلَمّا اِسْتَحْكَمَتْ حَلَقاتُها ** فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّها لا تُفْرَجُ).
نهنئ أنفسنا بهذه التحفة السردية الفائفة في لغتها وتبيانها وبنيتها وأسلوبها وتمشهدها وتقنياتها المُحكمة وما وراء السطور كان أعظم.. لمزيد من العطاء والابداع والامتاع والإقناع أيها القاص المبدع في تصويرك وتشويقك وإنسانيتك.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك