القمة النفسية المتكاملة تكرّم المخرج عادل عوض عن فيلمه "العقرب": قراءة في سيكودراما الغموض والإثارة
شهد مسرح مكتبة مصر الجديدة، اليوم، احتفاءً سينمائيًا ونفسيًا بارزًا، حيث كرّم المؤتمر الرابع للقمة النفسية المتكاملة المخرج الكبير عادل عوض، تقديراً لتجربته السينمائية الأولى فيلم "العقرب". ويأتي هذا التكريم ليعيد تسليط الضوء على عمل شكّل حالة لافتة في السينما المصرية، بفضل معالجته السيكودرامية المشوقة التي مزجت بكفاءة بين عناصر الإثارة الغموض، مقدماً رؤية درامية ونفسية استثنائية.
مخرج مخضرم وتجربة أولى طموحة
يمثل فيلم "العقرب" محطة تأسيسية في المسيرة الإخراجية للفنان عادل عوض، إذ خاض من خلاله أولى تجاربه في المقعد الأول للمخرج بعد سنوات طويلة وثريّة قضاها كمساعد لعمالقة الإخراج السينمائي في مصر، وفي مقدمتهم المخرجان الكبيران علي بدرخان وحسين كمال. هذا الإرث المهني الطويل انعكس بجلاء على نضج رؤيته الإخراجية وأسلوبه الرصين في بناء الأحداث الدرامية وإدارة الممثلين.

بطاقة هوية العمل السينمائي:
إخراج: عادل عوض
قصة ورواية: عصام عبد العزيز
سيناريو وحوار: عادل عوض (سيناريو) - إيناس بكر (حوار)
بطولة: شريهان، كمال الشناوي، صلاح قابيل، رجاء الجداوي، ونخبة من النجوم.
النوع الدرامي: سيكودراما / إثارة وتشويق نفسي
البناء الدرامي: متوالية الشك والنهاية الصادمة
تتمحور الفكرة الرئيسية للفيلم حول جريمة قتل غامضة تُستغل كشرارة انطلاق لفتح أبواب واسعة من الشكوك والتفسيرات المتضاربة. ينتقل السيناريو بالمشاهد بذكاء بين دوائر متعددة من الاتهامات والاحتمالات، مما يخلق حالة مستدامة من الفضول والترقب الفكري، تدفع المتلقي لمواصلة المتابعة بشغف حتى يرتطم بالنهاية الصادمة وغير المتوقعة.
وعلى الرغم من أن بعض المسارات الدرامية قد لا تبدو مقنعة بالكامل للمشاهد المحلل، إلا أن التماسك العام للبناء التشويقي نجح في الحفاظ على جاذبية العمل وقدرته العالية على الأسر الدرامي.
رؤية إخراجية متأثرة بـ "الهيتشكوكية"
على مستوى المعالجة البصرية والنفسية، تظهر التجربة متأثرة إلى حد كبير بأسلوب المخرج العالمي ألفريد هيتشكوك، لا سيما في كيفية صياغة التوتر النفسي المتصاعد ومزجه بالغموض. غير أن المخرج عادل عوض حاول قيادة عدة خطوط درامية متوازية في آن واحد؛ وهو أمر تسبب في بعض الأحيان في عدم منح بعض الخطوط المساحة الزمنية الكافية للتطور المنطقي، مما أنتج حالة من "الارتباك المقصود" وجعل بعض التحولات تبدو مفاجئة دون تمهيد كافٍ.
"يبرز اهتمام عادل عوض البالغ بالتكوين البصري داخل الكادر، والاستخدام الذكي للألوان، إلى جانب التوظيف المتقن لمشاهد الأحلام والكوابيس والخيال، وهي أدوات وظّفها المخرج بوعي لخلق حالة عامة من القلق النفسي والتوتر تخدم الثيمة الأساسية للفيلم."
أداء تمثيلي رفيع ومفاجآت غير متوقعة
شهد الفيلم مباراة تمثيلية رفيعة المستوى؛ حيث قدم الفنان الكبير كمال الشناوي أداءً قوياً ومتزناً يليق بتاريخه العريق، وظهر الفنان صلاح قابيل بحضور مميز أضفى ثقلاً على الأحداث.
وفي المقابل، قدمت النجمة شريهان أداءً لافتاً يستحق الإشادة، مستندة إلى حضورها البصري القوي، وتوظيف مجموعة من المشاهد الجريئة التي أثارت تساؤلات عميقة حول طبيعة شخصية "هبة". وقد طرح الفيلم تساؤلات مفتوحة للمشاهد حول دوافعها؛ هل هي نتاج خلفيتها كابنة ملجأ، أم انعكاس لاضطرابات نفسية وكبت داخلي؟ حيث آثر الفيلم الاكتفاء بالإشارة إلى خلفيتها العاطفية المضطربة دون السقوط في فخ التحليل النفسي المباشر، تاركاً مساحة تأويلية رحبة للجمهور.
أما المفاجأة الكبرى في العمل، فكانت الفنانة القديرة رجاء الجداوي، التي قدمت واحداً من أبرز أدوارها السينمائية من خلال شخصية بطولية لافتة ومغايرة، في حين جاءت بقية الأداءات متأرجحة بين المقبول والجيد جداً.
خلاصة نقدية: أثر مفتوح وتكريم مستحق
في المجمل، يظل فيلم "العقرب" تجربة سينمائية أولى طموحة وشجاعة للمخرج عادل عوض. ورغم ما قد يؤخذ عليها من بعض المبالغات أو الإقحام الدرامي في بعض التحولات — مثل العلاقة المفاجئة بين السائق وهبة التي جاءت بمثابة التواء درامي (Twist) لتعزيز الإثارة — إلا أن الفيلم يظل عملاً ممتازاً كخطوة أولى في مسيرة مخرج كبير، ونجح في إثارة الأسئلة بدلاً من تقديم إجابات جاهزة، وهو ما يمنح العمل سمة الاستمرارية والأثر المفتوح في ذاكرة الجمهور والسينما المصرية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك