من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

تكلفة القرار الخاطئ

خالد بيومي
تكلفة القرار الخاطئ



ليست كل خلافات الرأي جديرة بأن تتحول إلى معارك تستنزف الوقت والموارد، وليست كل ملاحظة عابرة تستحق قرارًا مصيريًا. هذه الفكرة، التي تتردد كثيرًا في أدبيات الإدارة والحوكمة، تختصرها حكاية شعبية قديمة تُعرف بـ"ظل الحمار"، وهي أقرب إلى مرآة تعكس كيف تنشغل المجتمعات والمؤسسات والأفراد أحيانًا بتفاصيل ثانوية، بينما تغيب عنهم الأهداف الجوهرية التي خرجوا أصلًا من أجلها.

الحكاية ودلالتها

تدور الحكاية حول رجل استأجر حمارًا لرحلة في يوم شديد الحر، فتوقف في منتصف الطريق ليستريح في ظل الحمار. اعترض صاحب الحمار قائلًا إنه أجّر الحمار لا ظله، فاشتعل الخلاف بين الطرفين حتى تحول الأمر إلى قضية تُعرض على القضاء. وبين الجدل حول من يملك حق الظل، ضاع الهدف الأصلي من الرحلة، وخسر الطرفان معًا وقتهما وجهدهما فيما لا طائل من ورائه.

هذه القصة، رغم بساطتها الظاهرية، تختزل نمطًا سلوكيًا متكررًا: الانشغال بالجزئي على حساب الكلي، والدفاع عن مواقف شكلية بينما تُترك الغايات الحقيقية دون رعاية.

حين يتكرر المشهد في عالم الشركات والمؤسسات

لا تقتصر هذه الظاهرة على الأمثال الشعبية، بل تتكرر بصور ملموسة في عالم الشركات والاقتصاد. فمن المعروف في أدبيات الإدارة أن كثيرًا من الشركات الكبرى لم تنهر بسبب غياب الابتكار، بل بسبب انشغال قياداتها بمعارك داخلية على النفوذ والصلاحيات بينما كانت السوق تتغير من حولها بسرعة. الصراع على "من يملك القرار" يتحول أحيانًا إلى غاية في ذاته، بينما الهدف الأصلي -خدمة العميل أو تطوير المنتج- يُترك على الهامش.

مثال آخر شائع في بيئات العمل: مؤسسة تستهلك أسابيع من الاجتماعات لحسم خلاف حول صياغة بند إجرائي بسيط، بينما مشروع استثماري حقيقي ينتظر قرارًا سريعًا يتسرب إلى منافس أسرع حسمًا. الكلفة هنا ليست في الخلاف نفسه، بل في الفرصة الضائعة التي لا تعود.

القرار الرشيد مسؤولية لا سلطة

من الدروس المستفادة من هذه الحكاية أن اتخاذ القرار ليس مجرد ممارسة لسلطة، بل هو مسؤولية تستوجب التروي. فالقرار الرشيد يُبنى على الحقائق الموثقة، وتحليل المخاطر بعناية، ودراسة الآثار المباشرة وغير المباشرة، بعيدًا عن الانطباعات الشخصية أو ردود الأفعال المتسرعة.

أما القرار المتسرع أو المجحف، فلا يضر الطرف المتضرر منه وحده، بل يمتد أثره ليطال المؤسسة والمجتمع وصانع القرار نفسه؛ ذلك أن الظلم -أيًا كانت صورته- يولّد فقدان الثقة، ويُضعف الولاء، ويقلل الإنتاجية، ويزيد من كلفة تصحيح الأخطاء لاحقًا.

كلفة التريث أقل من كلفة الخطأ

تقول إحدى القواعد المعروفة في علم الاقتصاد إن كلفة القرار الخاطئ غالبًا ما تكون أعلى بكثير من كلفة التريث في اتخاذه. وهذا ما يفسر لماذا تلجأ الشركات الناجحة إلى مبدأ "التوقف قبل التصعيد": مراجعة سريعة تسأل ببساطة "هل هذا الخلاف يستحق كل هذا الوقت مقارنة بما نخسره من فرص أخرى؟" قبل أن تتحول أي قضية جزئية إلى أزمة كاملة. فالحكمة الإدارية تقتضي جمع المعلومات، والاستماع إلى مختلف وجهات النظر، وتكوين صورة شاملة قبل إصدار الأحكام أو اتخاذ الإجراءات.

الإدارة الناجحة تركّز على الأولويات

من أبرز سمات الإدارة الرشيدة أنها تُعنى بالأولويات الجوهرية بدلًا من استنزاف الوقت في قضايا هامشية. فبدلًا من الانشغال بمعارك جانبية، توجَّه الجهود نحو الابتكار، وتحسين الخدمات، وتطوير الموارد البشرية، وترسيخ قيم العدالة والشفافية. فالمؤسسات، كما تُظهر تجارب كثيرة، لا تنهار غالبًا بسبب المنافسة الخارجية وحدها، بل قد تتصدع من الداخل بسبب انشغالها بما لا يُقدّم ولا يُؤخّر.

وفي حياتنا الشخصية أيضًا

لا يقتصر هذا الدرس على المؤسسات والاقتصاد، بل يمتد إلى الحياة الشخصية اليومية. فكثير من الخلافات الصغيرة بين الأفراد كان يمكن تجاوزها بكلمة طيبة أو موقف متفهم، لولا أن الإصرار على "كسب الجولة" غلب على الحرص على العلاقة والهدف الأسمى منها. وهذا ما يجعل من حكاية "ظل الحمار" درسًا إنسانيًا عامًا، يتجاوز حدود الإدارة والاقتصاد إلى صميم العلاقات الاجتماعية.


وتبقى الحكمة الحقيقية في التمييز بين الجوهري والهامشي، وفي القدرة على تقدير متى تستحق القضية أن تُخاض، ومتى يكون التنازل عنها أوفر وأجدى. فالعقل الواعي -فردًا كان أو مؤسسة أو مجتمعًا- هو الذي يحسن اختيار معاركه، ويوجّه طاقاته نحو ما يبني لا نحو ما يستنزف.

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10089
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.