الحرب الممنهجة: من التصعيد المحسوب إلى التفاوض بالقوة ..قراءة تحليلية في نماذج إيران-الولايات المتحدة وروسيا-أوكرانيا
أولاً: في مفهوم الحرب الممنهجة
لم تعد الحروب المعاصرة تُدار كأحداث عشوائية تندلع وتنتهي بلحظة حاسمة، بل تحوّلت في كثير من الأزمات الدولية الراهنة إلى عملية مُدارة بعناية، تُوظَّف فيها القوة العسكرية كأداة من أدوات التفاوض لا كبديل عنه. هذا النمط، الذي يمكن تسميته بـ«الحرب الممنهجة»، يقوم على منطق مغاير لمنطق الحرب الشاملة التقليدية؛ إذ يجمع بين ضربات محسوبة الجرعة، ووقفات متعمدة تفسح المجال للدبلوماسية، وتلويح دائم بتصعيد أكبر يبقى في الأفق دون أن يتحقق بالضرورة.
تتقاطع هذه الرؤية مع أطروحات الواقعية الجديدة التي تنظر إلى القوة كوسيلة لإدارة التوازن لا لتحقيق حسم نهائي، وهو ما يفسر لماذا تُفضّل القوى الكبرى، رغم امتلاكها قدرات تدميرية هائلة، الإبقاء على الصراع في مستوى محسوب يخدم أهدافها التفاوضية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تُخرج الأمور عن السيطرة.
ومن زاوية أخرى، يمكن ربط هذا المفهوم بأدبيات الردع التقليدي وحدوده؛ فبينما يفترض الردع الكلاسيكي أن التهديد بالقوة كافٍ لمنع نشوب المواجهة، تكشف نماذج الحرب الممنهجة أن التهديد وحده لم يعد رادعاً بذاته، بل بات جزءاً من دورة تصعيد-تفاوض متكررة تتيح لكل طرف اختبار عزيمة الطرف الآخر ميدانياً قبل العودة إلى طاولة التفاوض بأوراق أقوى. وبهذا المعنى، تتحول الحرب من أداة لحسم النزاع إلى أداة لإدارته وإطالة أمده بما يخدم موازين القوى المتغيرة.
ثانياً: النموذج الأول — الولايات المتحدة وإيران: «اضرب ثم توقف»
تُقدّم الأزمة الأمريكية-الإيرانية في صيف عام ٢٠٢٦ نموذجاً واضحاً لمنطق الحرب الممنهجة. فبعد توقيع مذكرة تفاهم في منتصف يونيو ٢٠٢٦ أتاحت فترة تفاوض مدتها ستون يوماً، عاد التصعيد العسكري إلى الواجهة إثر استهداف ناقلات تجارية في مضيق هرمز، لتشن الولايات المتحدة موجات ضربات متتالية طالت أكثر من ثمانين هدفاً إيرانياً في الأيام الأولى وحدها، شملت منظومات دفاع جوي وشبكات قيادة وسيطرة ومواقع رادار ساحلية.
والمثير في هذا النموذج هو أن الإدارة الأمريكية واصلت التأكيد، حتى في ذروة الضربات، على التزامها بمواصلة المسار التفاوضي مع طهران، في وقتٍ صرّح فيه الرئيس الأمريكي بأن وقف إطلاق النار «انتهى»، بينما أفاد مسؤولون أمريكيون في الوقت نفسه بأن استراتيجية واشنطن قائمة على الضرب ثم التوقف عمداً لإفساح المجال أمام الدبلوماسية، مع الاحتفاظ بلائحة أهداف كورقة ضغط إضافية.
من الجانب الإيراني، جاء الرد بالمثل: ضربات على قواعد أمريكية في الكويت والبحرين، وإطلاق صواريخ باليستية باتجاه قاعدة في الأردن، مقابل تصريحات لرئيس البرلمان الإيراني شدّد فيها على أن انتهاء الحرب لن يكون عبر استسلام إيران، في وقتٍ استمرت فيه القنوات الدبلوماسية الخلفية بين البلدين عاملة رغم تبادل النيران. هذا التزامن بين الاشتباك الميداني واستمرار المفاوضات هو جوهر ما تعنيه الحرب الممنهجة: القتال بوصفه لغة تفاوضية موازية، لا نقيضاً للتفاوض.
يضاف إلى ذلك بُعد اقتصادي موازٍ، إذ ترافق التصعيد العسكري مع إعادة فرض عقوبات أمريكية على صادرات النفط الإيرانية، في خطوة توظف الأداة الاقتصادية كجبهة موازية للجبهة العسكرية، وهو ما يعكس تعدد مستويات الحرب الممنهجة بين الميداني والاقتصادي والدبلوماسي في آن واحد.
ثالثاً: النموذج الثاني — روسيا وأوكرانيا: استنزاف مُدار زمنياً
إذا كان النموذج الإيراني-الأمريكي يُجسّد الحرب الممنهجة القصيرة الأمد القائمة على «الضربة والوقفة»، فإن الحرب الروسية-الأوكرانية، وقد دخلت عامها الخامس، تُمثّل النسخة الممتدة زمنياً من المنطق ذاته: حرب استنزاف تُدار بوتيرة محسوبة، تتقدم فيها الخطوط الأمامية ببطء شديد لا يكاد يُذكر شهرياً، بينما تتوازى مع جولات تفاوض متقطعة لم تُفضِ حتى الآن إلى تسوية شاملة.
فبحسب تقديرات مصادر رصد ميداني مستقلة، لم تتجاوز المكاسب الإقليمية الروسية في الأسابيع الأربعة الممتدة من مطلع يونيو إلى مطلع يوليو ٢٠٢٦ نحو ثلاثين ميلاً مربعاً، وهو رقم هامشي مقارنة بحجم القوات والخسائر المتبادلة التي تُقدَّر بمئات الآلاف من الضحايا على الجانبين منذ اندلاع الحرب. هذا التناسب المختل بين حجم الاستنزاف البشري وضآلة المكاسب الميدانية يعكس بوضوح أن الحرب لم تعد تُخاض من أجل حسم عسكري سريع، بل كأداة ضغط مستمرة تغذي مواقف الطرفين على طاولة تفاوض لم تُغلق نهائياً.
وقد شهد المسار التفاوضي في هذه الحرب محطات متعددة، من اجتماعات أبوظبي إلى جولات جنيف الثلاث في فبراير ٢٠٢٦، والتي تعثرت جميعها أمام عقبات جوهرية تتعلق بمصير الأراضي المحتلة ووضع محطة زابوريجيا النووية وضمانات الأمن المستقبلية، قبل أن يُعلَّق المسار التفاوضي نفسه مؤقتاً بفعل تفجر الحرب الأمريكية-الإيرانية، في مؤشر إضافي على الترابط المتبادل بين ساحات الحرب الممنهجة المتعددة على الساحة الدولية.
وتكشف مؤشرات الرأي العام في كلا البلدين عن تعب متزايد من استمرار الحرب، إذ تشير استطلاعات حديثة إلى أن أغلبية في الجانبين الروسي والأوكراني باتت تُحبّذ التوصل إلى تسوية تفاوضية، وهو ما يعزز فرضية أن استمرار القتال بات مرتبطاً أكثر بحسابات مواقع التفاوض منها بأهداف عسكرية قابلة للتحقيق ميدانياً.
رابعاً: القواسم المشتركة بين النموذجين
رغم اختلاف الجغرافيا والفاعلين، تجمع بين الأزمتين الإيرانية-الأمريكية والروسية-الأوكرانية سمات مشتركة تُبرز ملامح الحرب الممنهجة كنمط متكرر في السياسة الدولية الراهنة:
١. ازدواجية المسار: استمرار القتال والتفاوض في وقتٍ واحد، بحيث يصبح كل منهما أداة لتعزيز موقف الطرف في الآخر، لا بديلاً عنه.
٢. التصعيد المحسوب: توظيف ضربات محدودة الهدف والزمن كرسائل ردع أو تذكير بالقدرة، دون السعي لحسم شامل قد يُفقد الأطراف السيطرة على مسار الأزمة.
٣. تعدد الجبهات: الجمع بين الأداة العسكرية والأداة الاقتصادية (كالعقوبات النفطية في الحالة الإيرانية) أو الأداة الاقتصادية غير المباشرة (كتأثير الحرب على قطاع الطاقة الأوكراني)، بما يوسّع نطاق الضغط خارج الميدان وحده.
٤. الترابط بين الساحات: تأثر مسار كل أزمة بمجريات الأزمة الأخرى، كما ظهر في تعليق مفاوضات أوكرانيا تزامناً مع اشتعال الجبهة الإيرانية، وهو ما يعكس أن الفاعل الدولي الأكبر (الولايات المتحدة) يُدير أكثر من ملف حربي في آنٍ واحد ضمن حسابات موارد وأولويات متداخلة.
خامساً: الانعكاسات الإقليمية والدولية
لا تبقى تداعيات الحرب الممنهجة حبيسة طرفيها المباشرين، بل تمتد لتعيد تشكيل حسابات فاعلين إقليميين ودوليين آخرين. ففي الحالة الإيرانية-الأمريكية، وجدت دول الخليج العربي نفسها في موقع الطرف المتأثر المباشر دون أن تكون جزءاً من قرار التصعيد، إذ تعرضت قواعد أمريكية على أراضي الكويت والبحرين لاستهداف إيراني مباشر، فيما اضطرت الأردن للتعامل مع صواريخ باليستية اخترقت أجواءها، وهو ما يكشف حجم الهشاشة الأمنية التي تفرضها الحرب الممنهجة على أطراف ثالثة لا تملك أدوات التأثير في مسارها.
كما امتد الأثر إلى الأسواق العالمية، إذ سجلت أسعار النفط قفزات ملحوظة عقب كل موجة تصعيد رئيسية، فيما تراجعت حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز بشكل لافت، في مؤشر إضافي على أن الحرب الممنهجة تُصدّر تكاليفها الاقتصادية إلى الاقتصاد الدولي ككل، لا إلى طرفي النزاع فحسب.
وفي المقابل، تحمل الحرب الروسية-الأوكرانية انعكاسات مباشرة على البنية الأمنية الأوروبية، إذ يتشابك مصير الأراضي المتنازع عليها مع ملفات أوسع تخص مستقبل حلف الناتو وترتيبات الأمن في مناطق النفوذ الروسي التقليدي كمولدوفا وجورجيا، بما يجعل أي تسوية مرتقبة للحرب أوسع أثراً من مجرد اتفاق ثنائي بين موسكو وكييف. كما أن حالة الإنهاك الاقتصادي المتبادل، والتي تتجلى في تراجع النمو الأوكراني نتيجة الانقطاعات المتكررة في الطاقة، وتزايد حالات الفرار من الخدمة العسكرية داخل روسيا، تشير إلى أن كلا الطرفين يقتربان من عتبة تُرجّح كفة التسوية التفاوضية على الاستمرار في الاستنزاف العسكري البحت.
سادساً: خاتمة تحليلية
تُظهر قراءة النموذجين أن الحرب الممنهجة ليست خللاً عرضياً في إدارة الصراعات، بل استراتيجية مقصودة تسمح للقوى الفاعلة بالحفاظ على أوراق ضغط متعددة دون تحمل تكلفة الحسم الشامل أو مخاطر الانزلاق غير المحسوب. وفي الحالتين الإيرانية والأوكرانية، يبدو أن الحرب باتت جزءاً من عملية التفاوض ذاتها، لا استثناءً عنها؛ وهو ما يستدعي من الباحث في العلاقات الدولية إعادة النظر في الحدود التقليدية الفاصلة بين «زمن الحرب» و«زمن التفاوض»، فكلاهما بات يتماهى في نمط واحد من إدارة الصراع المطوّل.
ويبقى السؤال المفتوح أمام الدراسات الاستراتيجية اللاحقة هو مدى قابلية هذا النمط للاستمرار: فهل تبقى الحرب الممنهجة أداة ضبط فعالة إلى ما لا نهاية، أم أنها تحمل في داخلها احتمالات انفلات تُخرجها عن السيطرة، كما لوّحت إليه بعض المؤشرات في كلتا الأزمتين خلال يوليو ٢٠٢٦؟
فمن جهة، يمنح هذا النمط الفاعل الأقوى مرونة تكتيكية تتيح له تعديل مستوى الضغط صعوداً وهبوطاً وفق مقتضيات اللحظة السياسية، كما ظهر في تصريحات المسؤولين الأمريكيين حول الحفاظ على «لائحة أهداف» جاهزة كورقة ضغط. ومن جهة أخرى، فإن تكرار هذا النمط عبر أكثر من مسرح جغرافي في آنٍ واحد—كما هو حاصل الآن بين الملفين الإيراني والأوكراني—يفرض على الفاعل ذاته إدارة أولويات متنافسة على الموارد والاهتمام السياسي، وهو ما قد يُفضي، عند بلوغ نقطة تشبع معينة، إلى ضغط داخلي أو خارجي يدفع نحو تسويات أسرع مما تقتضيه الديناميكية العسكرية البحتة.
وختاماً، فإن فهم الحرب الممنهجة بوصفها نمطاً متكرراً لا حالة استثنائية يُتيح للباحث في الشأن الاستراتيجي بناء أطر تفسيرية أكثر دقة لقراءة الأزمات الدولية المقبلة، بدلاً من الاكتفاء بمتابعة الأحداث اليومية بمعزل عن السياق المنهجي الذي يحكم تتابعها.
المصادر
CNN, "US-Iran ceasefire crumbles as fresh strikes rock Middle East", 9 July 2026.
CNN, "Mediators work to de-escalate US-Iran tensions and revive talks", 10 July 2026.
Al Jazeera, "Why have US-Iran strikes resumed and what does it mean for peace?", 8 July 2026.
Al Jazeera, "US-Iran war: Will peace talks resume, and when?", 10 July 2026.
Britannica, "2026 Iran war", accessed July 2026.
Russia Matters, "The Russia-Ukraine War Report Card", 1 and 8 July 2026.
House of Commons Library, "Ukraine peace talks", briefing update, July 2026.
Wikipedia, "2026 United States–Ukraine–Russia meetings in Geneva".
Council on Foreign Relations, Global Conflict Tracker, "War in Ukraine".
Al Jazeera, "As Ukraine seizes 'first chance to win', war horrors come home to Russia", 25 June 2026.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك