سباق الذكاء الاصطناعي: الجبهة الجديدة في الصراع على قيادة العالم
كيف تحوّلت التكنولوجيا من أداة اقتصادية إلى ساحة صراع جيوسياسي بين واشنطن وبكين
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تُستخدم لتحسين الإنتاجية أو تطوير التطبيقات الذكية، بل تحوّل خلال عام 2026 إلى الساحة الأهم في التنافس الدولي بين القوتين الأعظم، الولايات المتحدة والصين. فقد انتقل هذا الملف من مرحلة النقاش النظري حول مستقبل التكنولوجيا إلى مرحلة التطبيق المباشر في إدارة الحروب، وضبط الاقتصاد، وصياغة موازين القوى داخل النظام الدولي. ولم يعد الصراع بين واشنطن وبكين يدور فقط حول التجارة أو النفوذ العسكري التقليدي، بل أصبح محوره الأساسي: من يملك القدرة الأكبر على تطوير الذكاء الاصطناعي وتوظيفه في الأمن والسياسة والاقتصاد العالمي؟
الذكاء الاصطناعي يدخل ساحة المعارك
كشفت أحداث العام الجاري أن الجيوش باتت تعتمد بشكل متزايد على أنظمة الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية الفعلية، وليس فقط في التخطيط الاستراتيجي. فقد استخدمت الولايات المتحدة في عمليات عسكرية حديثة أنظمة متطورة لتحليل كميات ضخمة من البيانات الواردة من الأقمار الاصطناعية، والطائرات المسيّرة، وأجهزة الاستشعار، وشبكات الاستخبارات المختلفة. وقد سمح هذا التكامل بتنفيذ عمليات دقيقة وسريعة كان يصعب تحقيقها بالوسائل والأساليب التقليدية، ما يعني أن الحروب المقبلة ستُحسم إلى حد بعيد بمدى قدرة الجيوش على دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها القتالية، من التخطيط إلى التنفيذ.
هذا التحول العسكري يحمل في طياته مخاطر جديدة، إذ باتت البنية التحتية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات العملاقة إلى شبكات الاتصالات ومصانع الرقائق الإلكترونية، أهدافاً استراتيجية بالغة الحساسية في أي صراع مقبل. ومع تصاعد الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي نفسه، تتزايد المخاوف من أن يتحول هذا السباق التقني إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار الدولي، بدلاً من أن يكون أداة للتنمية والتقدم المشترك.
الصين تضيّق الفجوة
في مواجهة التفوق الأمريكي التقليدي في هذا المجال، تراهن بكين على استراتيجية مختلفة تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: استثمارات ضخمة شبه سيادية، ونماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر ومنخفضة التكلفة، وتوسع سريع في تصنيع الرقائق المحلية. فقد شكّلت الرقائق الصينية المحلية نحو 41% من سوق الذكاء الاصطناعي داخل الصين خلال عام 2025، بعدما كانت شركة إنفيديا الأمريكية تسيطر على أكثر من 90% من هذا السوق قبل عام 2023، ما يعكس تحولاً استراتيجياً حقيقياً في موازين القوى التقنية.
وتبرز شركة هواوي في مقدمة هذا التحول، إذ تتوقع تقارير أن تصل إنتاجها من رقائق «أسند 950 برو» إلى نحو 750 ألف وحدة خلال العام الجاري، بالتوازي مع تحول ملحوظ نحو معماريات أكثر توافقاً مع منصة «كودا»، ما يسهّل على المطورين الصينيين الانتقال إليها. كما تخطط شركة «كامبريكون» لتوريد نحو 500 ألف وحدة من معالجاتها المصنّعة محلياً خلال العام نفسه. ورغم أن الرقائق الصينية ما زالت متأخرة بشكل ملحوظ عن أحدث معالجات إنفيديا من حيث الأداء وسعة الذاكرة، فإن وتيرة اللحاق تتسارع بشكل لافت.
وعلى صعيد النماذج، نجحت شركات صينية مثل «ديب سيك» في تقديم نماذج تنافس نظيراتها الأمريكية بتكلفة أقل بكثير، إذ تبلغ تكلفة معالجة مليون رمز نصي في «ديب سيك» نحو 5.22 دولارات فقط، مقارنة بمبالغ تتراوح بين 14 و35 دولاراً في النماذج الأمريكية الكبرى المنافسة. هذا الفارق الكبير في التكلفة يهدد بإعادة تشكيل قواعد المنافسة في الأسواق النامية على وجه الخصوص، حيث يصبح الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة رهيناً بالقدرة على تحمل تكاليفها.
اتهامات متبادلة وحرب استخبارية صامتة
لم يقتصر التنافس على الاستثمار والابتكار، بل امتد إلى اتهامات متبادلة تحمل طابعاً أمنياً واستخبارياً. فقد كشفت برقية دبلوماسية أمريكية عن تحرك واسع لوزارة الخارجية يستهدف ما تعتبره واشنطن محاولات من شركات صينية للاستحواذ على تقنيات متقدمة عبر ما يُعرف بـ«التقطير المعرفي»، وهي طريقة تقوم على استخدام مخرجات نماذج ضخمة لتدريب نماذج أصغر وأقل تكلفة، ما يختصر سنوات من البحث والتطوير. ووجهت الوثيقة اتهامات مباشرة لشركات ناشئة، من بينها «ديب سيك»، باستخدام هذا الأسلوب لتقليص الفجوة التقنية مع الشركات الأمريكية الكبرى بسرعة غير مسبوقة.
في المقابل، كشفت تسريبات عن لجوء إحدى الشركات الأمريكية الكبرى إلى أدوات مراقبة مثيرة للجدل بهدف الكشف عن محاولات منافسين صينيين لاستغلال تقنياتها، قبل أن تتراجع عن ذلك بعد انكشاف الأمر وتعرضها لانتقادات واسعة من المدافعين عن الخصوصية. وتعكس هذه الواقعة حجم التوتر المتصاعد بين الشركات الكبرى نفسها، بمعزل حتى عن السياسات الرسمية للحكومتين، في ظل صراع محموم على حماية الملكية الفكرية والتفوق التقني.
من يفوز في هذا السباق؟
تشير مؤشرات عام 2026 إلى صورة معقدة لا تحسم الأمر بسهولة لصالح أي من الطرفين. فبينما تتصدر بكين المشهد العالمي في عدد من مؤشرات البحث العلمي وبراءات الاختراع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تحتفظ واشنطن بتفوق نسبي في جودة هذه البراءات وتأثيرها التجاري والتقني الفعلي. كما تتفوق الولايات المتحدة بفارق كبير في حجم الاستثمارات الخاصة، إذ بلغت نحو 109 مليارات دولار مقابل 9.3 مليارات دولار فقط للصين، أي ما يعادل نحو اثني عشر ضعف الاستثمار الصيني في القطاع.
ومع ذلك، فإن اعتماد الإدارة الأمريكية على سياسات تقييدية صارمة، تشمل فرض حظر شامل على تصدير بعض النماذج والتقنيات المتقدمة، يحمل في طياته مفارقة لافتة يرصدها خبراء متابعون للملف؛ إذ إن هذه الضغوط المتكررة قد تدفع الشركات الصينية إلى تسريع وتيرة الابتكار المحلي وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية، ما قد يُضعف على المدى الطويل أدوات الضغط والاحتواء التي تراهن عليها واشنطن. وهكذا يبدو المشهد أشبه بمواجهة بين نموذجين مختلفين جوهرياً: نموذج أمريكي مغلق ومحصّن بأدوات صارمة للأمن القومي، ونموذج صيني يراهن على الانفتاح، والحجم، وخفض التكلفة، وسرعة الانتشار في الأسواق الناشئة.
ملف يتجاوز حدود التكنولوجيا
يخلص كثير من المحللين إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قضية تقنية متخصصة بمعزل عن باقي الملفات الدولية، بل أصبح قضية جيوسياسية من الدرجة الأولى، تتقاطع فيها قرارات التطوير والتنظيم والنشر مع اعتبارات الأمن القومي والنفوذ الاقتصادي العالمي. والقرارات التي تتخذها كل من واشنطن وبكين اليوم بشأن هذه التقنية، من حيث تطويرها وحمايتها ونشرها دولياً، قد تحدد شكل النظام الدولي وموازين القوى فيه لعقود مقبلة، تماماً كما فعلت التكنولوجيا النووية في القرن الماضي.
ويبقى الحسم في هذا السباق مؤجلاً إلى أمد غير معلوم، إذ لا يبدو أن أياً من الطرفين قادر على حسم المعركة بشكل نهائي وسريع، بل يتجه المشهد نحو عقود طويلة من التنافس المستمر والتكيف المتبادل، حيث تتشابك فيها عوامل الابتكار التقني مع الحسابات الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية. وفي ظل هذا الواقع، تجد دول أخرى حول العالم، بما فيها دول الخليج التي تستثمر بقوة متزايدة في هذا المجال، نفسها أمام تحدٍّ حقيقي لتحديد موقعها في نظام عالمي جديد تُعاد صياغة قواعده على وقع خوارزميات الذكاء الاصطناعي وسباق الهيمنة التكنولوجية بين القوتين الأعظم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك