أسباب غضب حسين من رجال الأزهر
أنفق طه حسين أربعة أعوام في الأزهر، كأنها أربعون عامًا، وضاق صدرُه بها بسبب الرتابة وعدم التغيير، والتي قال عنها: "كأنها الليل المظلم، الذي تراكمت فيه السحب القاتمة".
لم يكن طه حسين يضيق بالفقر، ولا بقصر يدِه عمّا يريد، فقد كان هذا شيئًا مألوفًا بالنسبة لطلاب العلم في الأزهر الشريف.
كان يعرف أن حوله العشرات، بل المئات من تلاميذ الأزهر فقراء وأشقياء, كما كان يشقى هو، وتقصر أيديهم عما يريدون، ولكنهم اقتنعوا أن الثراء وسعة العيش قد تعوقهم عن طلب العلم، وأن الفقر شرط للاجتهاد.
كانت حياته مملة ليس فيها جديد منذ بداية العام حتى نهايته
لم تأت كراهية طه حسين للأزهر من فراغ. في اول عام دراسي له، كان من المفترض ان يتم اختباره في القرآن الكريم، امام لجنة، وفوجئ طه حسين برئيس اللجنة ينادي عليه قائلا: تعالى يا اعمي!
شعر طه حسين بألم كثير، ولما انتهت اللجنة فوجئ أيضا بنفس الشيخ يقول له: أذهب يا أعمي. وهو الأمر الذي ترسب في أعماقه ويذكره بعاهته، ولم ينسه.
كما تعرف طه حسين على الشيخ المرصفي، كان الشيخ أديبًا، ومعنى ذلك أنه كان يظهر وقار العلماء، إذا لقى الناس أو جلس للتعليم في الأزهر، فإذا كان بين أصدقائه وخاصّته، تباسط معهم كالأديب، يتحدث في حرية مطلقة عن كل إنسان وعن كل موضوع.
كان الشيخ يخصّص يومين من أيام الأسبوع لقراءة المفصل للزمخشري في النحو، فقرر طه ان يحضر هذا الدرس الجديد، وحضر درس الأدب في أيامه المخصصة من الأسبوع، ولزم طه حسن الشيخ المرصفاوي منذ ذلك الوقت. وأصبح تأثيره عليه واضحا. كان حديث الشيخ مع تلاميذه عن سوء مناهج التعليم في الأزهر، وكان انتقاد الشيخ لمناهج الأزهر قاسيًا ونقده لاذعًا، وتشنيعه على أساتذته وزملائه أليًم حقّا. وكان كلام الشيخ وانتقاده يجد مكانه في قلوب التلاميذ.
كان التلاميذ وفيهم طه حسين، يلتقون في الضحى، فيسمعون للشيخ ثم يذهبون إلى دار الكتب ويقرءون الأدب القديم ثم يعودون إلى الأزهر بعد العصر. فيجلسون في الممر الفاصل بين الإدارة والرواق العباسي، يتحدثون عن شيخهم وعمّا قرأوا في دار الكتب، ويتندرون على شيوخهم الآخرين، ويعبثون بالداخلين والخارجين من الشيوخ والطلاب.
بعد المغرب يدخلون الرواق العباسي فيسمعون درسَ الشيخ بخيت الذي كان يدرس لهم تفسير القرآن محل أستاذ بعد وفاته.
أتاحت دروس الشيخ المرصفاوى للشيخ الصغير التعرف على مناطق الجمال في الشعر أو النثر، في المعنى جملة وتفصيلًا، وفى الوزن والقافية، وفى مكان الكلمة بين ونظائرها. كما أًتاحت له المقارنة بين غِلظة الذوق الأزهري ورقة الذوق القديم، وبين تخلف العقل الأزهري وقوّة نفاذ العقل القديم.
انتهى شيخنا من هذا كلّه إلى تحطيم القيود الأزهرية كلها، والابتعاد عن الشيوخ في علمهم وذوقهم وفى سيرتهم وأحاديثهم.
ظل ثلاثة من تلاميذ الشيخ المرصفاوى أوفياء له، كان طه حسين واحدًا منهم رغم كثرة عدد التلاميذ حوله في بداية محاضراته.
شكّل هؤلاء الثلاثة عُصبة صغيرة ولكنها لم تلبث أن ظهر صوتها في الأزهر وسمع بها الطلاب والشيوخ وعرفوا عنها نقدها اللاذع لمناهج الأزهر وثورتهم على التقاليد، وقام بعضهم بتأليف القصائد في هجاء الشيوخ والطلاب. وعرف شيخ الأزهر بأمر هؤلاء فقرر معاقبتهم.
كتب طه حسين مقالًا عنيفًا هاجم فيه الأزهر كله وشيخ الأزهر خصوصًا، وطالب بحرية الرأي ونشره في صحيفة الجريدة التي ظهرت مؤخرًا. وكان مديرها الأستاذ لطفي السيد، يدعو كل يوم إلى حرية الرأي وذهب صاحبنا بمقاله إلى مدير الجريدة فتلقاه لقاءً حسنًا فيه كثير من العطف والإشفاق، وقرأ المقال ثم أعطاه لمدير التفتيش في الأزهر فقرأه وقال له: لو لم تكن قد عوقبت على ما جنيت من ذنب لكانت هذه المقالة وحدها كافية لعقابك.
ولعلنا لا ننسى، كيف أسقط رجال الأزهر كه حسين في امتحان العالمية متعمدين، وحاولوا بينه وبين الحصول على الشهادة لأسباب شخصية.
في ليلة الامتحان، زاره الشيخ المرصفاوى، وطلب منه أن ينسحب من الامتحان، "لأن رجال الأزهر تآمروا عليك ويحاولون اسقاطك".
رفض طه حسين أن يعتذر عن المثول أمام اللجنة، وقرر أن يذهب في الصباح إلى الامتحان.
في الصباح توجّه إلى اللجنة، ومثل أمامها، وبدأ النقاش والجدال، ومضت ساعتين ونصف الساعة، والنقاش مستمر، ودخل الإمام الأكبر، والنقاش محتدم، فلم يسلّم، وقال لرئيس اللجنة:
-حرام عليك يا شيخ دسوقي. ارفق به.
ثم انصرف. ولم يرفق الشيخ بالطالب الكفيف. فلما خرج طه حسين، وجد كرسيًّا بجانب الباب وقد جلس عليه الإمام الأكبر، ينتظر ما يحدث في اللجنة.
فلما شاهده الإمام الأكبر، أشار إلى أحد الفراشين، بأن يحضر للشيخ طه حسين فنجان قهوة، ثم أبلغوه بفشله وسقوطه في الامتحان.
وكانت تلك هي أكبر إهانة لطه حسين، واتجه بعدها للالتحاق بجامعة القاهرة الجديدة ونال منها درجة الدكتوراه، ثم سافر للبعثة ونال دكتوراه السوربون، ولما عاد عمل بالجامعة أستاذا للأدب، وألف كتاب الأدب الجاهلي، وقام الازهر بتقديم بلاغ للنيابة العامة متهما طه حسين بالكفر حسب ما هو معروف في تلك الحكاية، ثم تم فصله من الجامعة بعدها؟
فهل بعد ذلك يحب الشيخ الأزهر؟
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك