من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

لِمَاذَا لَا تَتَوَقَّفُ الحَرْبُ فِي السُّودَان؟

بقلم: صَلاح الدِّين عُثْمَان
لِمَاذَا لَا تَتَوَقَّفُ الحَرْبُ فِي السُّودَان؟



تَجْرِيدُ السُّودَانِ مِنْ سِيَادَتِهِ

 تَجِدُ الحَدِيثَ عَنْ حُبِّ الوَطَنِ بِمَثَابَةِ ادِّعَاءٍ، يَكْذِبُ السِّيَاسِيُّونَ، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ دَعْوَاهُمْ.


وَقْفَةٌ مَعَ ذِكْرَى 19 يُولْيُو 1971:

قَادَةُ ذَلِكَ الانْقِلَابِ هُم شُرَكَاءُ صَنَعُوا انْقِلَابَ 25 مَايُو 1969م، وَتَمَّتِ الإِطَاحَةُ بِهِمْ فِي غُضُونِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا. 

لِذَا حِينَ نَازَعُوا جَعْفَرَ النَّمِيرِي فِي سُلْطَانِهِ دَفَعُوا ثَمَنَ ذَلِكَ أَرْوَاحَهُمْ وَكُلُّ مَنْ شَارَكَهُمْ مِنْ قِيَادَةِ الحِزْبِ الشُّيُوعِيِّ. 

وَاتَّضَحَ بِهَذَا الفِعْلِ عَدَمُ المُسَامَحَةِ فِي النِّزَاعِ بِلَا مُجَامَلَةٍ وَلَا اعْتِبَارٍ لِعَلَاقَاتٍ سَابِقَةٍ مِنْ زَمَالَةٍ وَقَرَابَةٍ.


وَجْهُ المُقَارَنَةِ مَعَ الحَرْبِ الدَّائِرَةِ حَالِيًّا:

حِينَ أَدْخَلَ قَائِدُ الجَيْشِ شَخْصًا لَا عِلَاقَةَ لَهُ بِالقُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ وَمَنَحَهُ مَنْصِبًا وَرُتْبَةً عَسْكَرِيَّةً رَفِيعَةً مُحْتَفِظًا بِقُوَّاتِهِ تَأْتَمِرُ بِأَمْرِهِ وَلَيْسَ بِقِيَادَةِ الجَيْشِ، جَعَلَ مِنْ هَذَا الوَضْعِ أَنْ يَتَزَعْزَعَ هَذَا السُّلْطَانُ. 

أَدْرَكَ حِمِيدَتِي أَنَّ النِّزَاعَ عَلَى السُّلْطَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْقِلَابٍ، لأَنَّهُ لَيْسَ ابْنَ القُوَّاتِ المُسَلَّحَةِ وَلَا قُوَّاتُهُ أُدْمِجَتْ فِيهَا مِثْلَ جُونْ قَرْنَق. 

فَالطَّرِيقُ لِاعْتِلَاءِ السُّلْطَةِ حَشْدُ مُوَالٍ، وَيُسْتَخْدَمُ هَذَا الحَشْدُ لِزَلْزَلَةِ كِيَانِ الدَّوْلَةِ وَتَرْوِيعِ الآمِنِينَ فِيهَا. 

وَذَهَبَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ إِلَى أَبْعَدِ مَدًى، إِغْرَاءُ المُنَاصِرِينَ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ.


فِي المُقَابِلِ يَعْمَلُ قَائِدُ الجَيْشِ عَلَى الانْتِقَامِ لِسُلْطَانِهِ مَهْمَا كَلَّفَ البِلَادَ مِنْ زَمَنٍ يَطُولُ أَوْ يَقْصُرُ. لَا يَهُمُّ مَعَانَاةُ المُوَاطِنِينَ فِي سَبِيلِ السُّلْطَانِ. 

يُرِيدُ أَنْ يَتَخَطَّى إِخْفَاقَ النَّمِيرِي حِينَ اسْتَوْعَبَ حَرَكَةَ أَنَانْيَا فَخَرَجَ عَلَيْهِ جُونْ قَرْنَق، وَحِينَ لَجَأَ لِلْمُصَالَحَةِ الوَطَنِيَّةِ مَعَ الجَبْهَةِ الوَطَنِيَّةِ فَوَرِثَتِ الحُكْمَ مِنْ بَعْدِهِ. 

وَيُرِيدُ أَنْ يَتَخَطَّى إِخْفَاقَ البَشِيرِ فِي نِيفَاشَا الَّتِي ذَهَبَ بِمُوجَبِهَا ثُلُثُ البِلَادِ، وَكَذَلِكَ فِي نِزَاعِ المُؤْتَمَرِ الوَطَنِيِّ مَعَ بَقِيَّةِ الأَحْزَابِ. 

كُلُّ هَذِهِ الأَحْدَاثِ المُتَلَاحِقَةِ جَعَلَتْ مِنَ البُرْهَانِ يَرْفُضُ كُلَّ مَا يُقَلِّلُ مِنْ سُلْطَانِهِ.


الطَّرَفُ الثَّالِث:

هُم كُلُّ مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ آنِيَّةٌ مِنْ اسْتِمْرَارِ النِّزَاعِ مَعَ أَيِّ طَرَفٍ يَكُونُ. 

أَوَّلُ هَؤُلَاءِ هُمُ الحَرَكَاتُ المُسَلَّحَةُ الَّتِي نَازَعَتْ نِظَامَ الإِنْقَاذِ مِنْ قَبْلُ، إِضَافَةً لِلْمِلِيشِيَاتِ الَّتِي تَتَكَوَّنُ حَدِيثًا وَتَنْضَمُّ إِلَى حَمْلِ السِّلَاحِ وَالقِتَالِ. 

وَكُلُّ هَؤُلَاءِ حَجَرُ عَثْرَةٍ فِي إِحْلَالِ السَّلَامِ فِي رُبُوعِ البِلَادِ.

 مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى:

عَوَامِلُ مُسَاعِدَةٌ أَضَرَّتْ بِالوَعْيِ العَامِّ: 

كُلُّ مَنْ يَنْشُدُ الاسْتِقْرَارَ فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ وَيُتَابِعُ الأَحْدَاثَ اليَوْمِيَّةَ وَيَنْسَاقُ وَرَاءَ الأَوْهَامِ. 

وَإِذَا تَلَمَّسْنَا مَوَاضِعَ الخَلَلِ نَجِدُهَا تَظْهَرُ فِي إِخْفَاقٍ فِي إِدَارَةِ دُوَلَابِ العَمَلِ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ. 

فَلَا تَلُومُوا الحُكُومَاتِ المُتَعَاقِبَةَ بَلِ اللَّوْمُ عَلَى هَؤُلَاءِ الإِدَارِيِّينَ الَّذِينَ أُتِيحَتْ لَهُمْ فُرْصَةُ الابْتِعَاثِ لِنَيْلِ الدَّرَجَاتِ العُلْيَا فِي بَرِيطَانِيَا وَأَمْرِيكَا، وَلَاحِقًا بِالسُّودَانِ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ عَلَى الخَلِيجِ.

فَكَانَتْ وُفُودُ البُنُوكِ وَالجَامِعَاتِ تَأْتِي إِلَى الخُرْطُومِ وَيَتِمُّ التَّعَاقُدُ، فَيُغَادِرُونَ الوَطَنَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَنْزِلٌ مُتَعَدِّدُ الطَّوَابِقِ فِي أَحْيَاءٍ مِنَ العَاصِمَةِ المُثَلَّثَةِ. 

وَامْتَدَّتِ السَّنَوَاتُ وَالْتَحَقَ الأَبْنَاءُ بِالجَامِعَاتِ وَالتَّخَرُّجِ فِيهَا، فَخَلَفُوا الآبَاءَ فِي الغُرْبَةِ. 

وَعَادَ الكِبَارُ إِلَى تِلْكَ البُيُوتِ يَأْنَسُونَ فِيهَا وَيَشُدُّونَ الرِّحَالَ إِلَى أَبْنَائِهِمْ وَأَحْفَادِهِمْ فِي الخَلِيجِ، إِلَى أَنْ جَاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَى بِهَذِهِ الحَرْبِ فَهَجَرُوا البِلَادَ مَرَّةً أُخْرَى.


خَاتِمَةٌ:

فَمَا حَلَّ بِالبِلَادِ يُدِينُ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ، فَالتَّطَوُّرُ الإِدَارِيُّ الَّذِي كَانُوا يَدْرُسُونَهُ فِي المَنَاهِجِ ضُرِبَ بِهِ عُرْضَ الحَائِطِ فِي الخِدْمَةِ المَدَنِيَّةِ، وَبَاتَتِ المُرَتَّبَاتُ لَا تَكْفِي مَسِيرَةَ أَيَّامٍ. 

وَمَا زَالَ القَائِمُونَ عَلَى الأَمْرِ لَا يُعَالِجُونَ أَدْنَى الأَوْضَاعِ، فَضَاعَ المُوَاطِنُ فِي سَبِيلِ لُقْمَةِ العَيْشِ وَلَا يَجِدُ الأَمَانَ.

وَالمُنُوطُ بِهِمُ الإِصْلَاحُ الإِدَارِيُّ الَّذِي دَرَسُوهُ فِي بِلَادِ الخَوَاجَاتِ وَقَامُوا بِتَدْرِيسِهِ فِي الخَلِيجِ أَفْلَحَ فِيهِ الخَلِيجِيُّونَ، وَأَخْفَقَ فِيهِ السُّودَانُ. 

أَيُّ حَظٍّ عَاثِرٍ يَا سُودَانُ.


الإسكندرية   17 يوليو 2026م

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10152
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.