"أيام الرعب"..ذاكرة بصرية للأدب المكتوب
تفتح القصة التي كتبها "جمال الغيطاني" تحت عنوان " أيام الرعب" بابا واسعا أمام "يسري الجندي" في كتابة "سيناريو وحوار" يأخذ من روحها، ويمنحها مذاقا شعبيا صرفا يحقق هدفه في الاقتراب من المتلقي عبر تيمات تراثية حرص على أن تكون ضمن تكوين نسيجه الدرامي، ليعمق المضمون الفكري من خلالها، ويعطيه أبعادا أكثر مما يوحي به الظاهر. وقد ساعده في ذلك اتفاق الرؤى بينه وبين المخرج "سعيد مرزوق"، الذي يشكل " الخوف" لديه اهتماما خاصا، بلورته التجارب السينمائية التي قدمها عبر مسيرته، منذ فيلمه الأول "زوجتي والكلب"، ومرورا بالفيلم الثاني، الذي جعل الخوف عنوانا له يشي بهذا الاهتمام، ويطور من أساليب تقديمه، والتعريف بمساراته التاريخية والاجتماعية، وكيف تنعكس على الداخل الإنساني والواقع المحيط به.
الفضاء المكاني حين يتحول لمعادل بصري لفكرة الخوف والوحشة
وهو ما يتجلى في ذروة التجسيد التي حققتها الرؤية البصرية في فيلم "أيام الرعب" عام 1988، والذي يؤصل فيه الثنائي" مرزوق والجندي" للجذور التاريخية التي تمنح فكرة الخوف القدرة على تشكيل الواقع والتغلغل في كل تفاصيله؛ فحادثة "قطع رأس الطفل" التي يبدأ بها الفيلم لا تعبر عن هذا الماضي القريب للشخصية الرئيسية (محروس أفندي) التي يجسدها الفنان "محمود ياسين"، وإنما تأتي مقرونة إلى بعد تاريخي موغل في القدم يجسده اختيار أحد معابد الأقصر ليكون ساحة لهذا الفعل، وتكون الهوة السحيقة التي استقرت بها رأس الطفل معادلا بصريا لتلك الذاكرة التي تقفز إلى حاضر الشخصية.

ويأتي الحوار الذي كتبه "يسري الجندي" ليجسد فكرة "الخوف" وظلالها الاجتماعية والتاريخية والسياسية عبر دوران مفردة الخوف بكل مشتقاتها في الحوار بين الشخصيات؛ لنجد عبارات مثل: " اللي هربان م التار واللي خايف م التار"، و" كبر الخوف جوانا م اللي شوفناه معاهم ومع غيرهم"، و" انت اللي خايف تعيش ..انت اللي دايما بتهرب زي ما بتهرب م البنت اللي قدامك"، " الخوف اتزرع جوانا"، و"البصاصين طول عمرهم موجودين في تاريخنا ضمن لعبة التخويف"، و" خايف م اللي جاي ، واللي ما يجيش"..الخ من تلك الجمل الحوارية التي تعكس أبعادا مختلفة للخوف، توضح عمق تجذره في وعي الشخصية، ذلك الذي يقيد حركتها في الحياة، ويجعل كل الأشياء من حولها علامات دالة عليه؛ فـ"صوت المنبه" في غرفة نوم "محروس أفندي" هو بمثابة جرس إنذار لاستيقاظ الخوف بداخله، ومجرد السؤال عنه من أحد الغرباء هو تحفيز لحس المطاردة داخله، واقتراب جارته منه هو إيذان بانتقام من أخيها يهدد وجوده، ويُعجل بالقضاء عليه، و"إنذار الفصل" الذي يأتيه من عمله يتوازى مع إحساسه بالفصل من الحياة بكاملها على يد " عويضه" صاحب الثأر في بلده.
التعبير بصريا عن تجذر فكرة الخوف داخل الشخصية عبر توظيف المكان وعمقه مع الشخصية للربط البصري بين عمق المكان وعمق الشعور
وبقدر ما عمّق "الحوار" هذا الشعور الطاغي بفكرة " الخوف"، بقدر ما كانت اللغة السينمائية التي وظفها "سعيد مرزوق" في "أيام الرعب" نابضة بكل المعاني التي يتركها "الخوف" على ساحة النفس الإنسانية؛ فمنذ المقدمة التمهيدية للفيلم، تأتي "اللقطة العامة" لتحيل إلى طبيعة المكان الجبلي وصفير الريح كمؤثر صوتي يعكس الوحشة التي تلف المكان وإغراءه بالانقضاض والفتك بالأرواح، فضلا عن الانتقال لهذا العمق الموحش الذي استقرت به "رأس الصبي"، وهو الفضاء ذاته الذي شكل من خلاله مراسم الجنازة وتشييع جثمان الصبي، عبر استغلال التكوينات الصخرية الموجودة بالمكان، ومزجها مع مقطوعات "العديد الجنوبي" كعنصر فني يعمق الجو العام للمشهد السينمائي، ويؤكد أثره في نفس المتلقي، وهو ما يمكن اعتباره تأسيسا بصريا قويا ينطلق منه الفيلم في تشكيل عوالمه البصرية الأخرى التي تتضافر مع الكلمة ومع المؤثر الصوتي والموسيقى التصويرية، لتعيد تشكيل المعاني المرتبطة بفكرة الخوف بصريا وفق هذا التأسيس.
امتزاج البصري والصوتي في مشهد تأسيسي لفكرة الخوف المهددة للوجود الإنساني
ومع امتزاج البصري بالصوتي في مشاهد الفيلم، نجد أن فكرة "الخوف" اكتسبت أبعادا كثيرة، يأتي على رأسها البعد النفسي الذي لازم الشخصية الرئيسية وشكّل حركتها تجاه نفسها، ومن ثم تجاه محيطها، لنجد الشخصية مقيدة بهذا الخوف في كل المشاهد، ولم يفلح الجانب الروحي والإيماني الذي جسّدته "حلقات الذكر" في محيط سكنها بالحي الشعبي، أو لجوئها لمقام "الحسين" في تبديد سطوة هذا الخوف، لنراه وقد وصل إلى أعلى ذروته في تلك الصيحة التي أطلقها " محروس" في عبارات لاهثة تقول: " جيتلك في بيتك يا رب..خليني هنا في حمايتك جنب الحسين..الخوف كسرني..آه يا حسين".

إن هذه النداءات التي أطلقها "محروس"، الشخصية الرئيسية، لم تفلح في تهدئة الروع الذي أصابها؛ فقد تمكن "الخوف" من أغوار النفس البعيدة للدرجة التي جعلت من تصويب النظرات إليه من قبل أي زائر بمثابة "مطاردة مرتقبة"، و" فعل قتل" ينتظره حتى وهو في بيت من بيوت الله، لذا نجد صيحته المذعورة مرة أخرى وهو يقول: " الشر وصل للحسين..عايزين يقتلوه تاني"، وهي الجملة التي يتوه صداها بين جموع المحتفلين في مولد الحسين، والمبتهلين في ساحاته، وأمام أعينهم يقتل الخوف ( الطريد والمطارد).
توظيف الظل والنور للتعبير عن تمدد الخوف داخل الشخصية
إن قضية " الخوف" في هذا الفيلم تتحول إلى قضية وجود مُهدد، يبدأ الخلاص منه بوعي فردي، ويمتد لشعور جمعي، يعي الجذور والدوافع وينفض عن كاهله هذا الميراث الطويل الذي خلّفته الحقب التاريخية في تعاقبها، ليربط الإنسان إلى هذا الماضي، فتصبح كل حركة له مقيدة، أو كما صاغها الفيلم بصريا، تضع الإنسان أمام تمثال للخوف يعترض طريقه، ويعوقه عن المضي قدما في حياته. وعبر تلك الرمزيات التي صاغها الفيلم في لغة سينمائية خلاقة، استطاعت أن توظف كل إمكانتها لطرح الأبعاد المرتبطة بـ"الخوف" على صعيد تاريخي، وسياسي واجتماعي.

نجد أن الرسالة التي تنطوي عليها الأحداث لا تتعلق بالفرد فقط، وإنما بالمجموع الذي ينتمي إليه، في محاولة من صناعه إلى تحرير هذا الفرد من قيده، وفق وعي حقيقي بمعطيات التاريخ والواقع السياسي، الذي أضاء جانبا كبيرا من تلك الظاهرة في إطارها المجتمعي، وهذه هي الرؤية الأوسع التي سعت السينما لتقديم الأدب في تلك التجربة من خلالها.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك