"حينما يكتب الزمن رواية: تأملات في "سيرة هشّة ليوم عادي
منذ صفحتها الأولى، تكشف رواية "سيرة هشّة ليوم عادي" عن نواياها الجمالية والفكرية؛ فهي ليست رواية حبكة أو حدث، بل نصّ طقسي يعيد تشكيل الوعي بالزمن والمكان. تبدأ بتصدير ساخر ودال، يكتب المؤلف: «هذا يوم رتيب بذلت قصارى جهدي في أن يبدو كذلك»، ثم يمنح القارئ حرية القراءة من أي فصل، مؤكدًا أن "حبكة النصّ الخالي من الحبكة" لن تتأثر. هنا يتجلى المفهوم المحوري، تفكيك الزمن السردي لصالح الزمن الثقافي، وتفكيك الحبكة لصالح الإيقاع. في هذا السياق، يتخذ الدكتور عبدالكريم الحِجْراوي موقفًا واعيًا من بنية الرواية الحديثة، ليس باعتبارها أداة لنقل الحدث، بل كوسيط تتمثل مهمته في تجسيد الإحساس بالوجود داخل زمن ومكان لهما نكهة خاصة وهوية مميزة. والرؤية الطقسية للنص تتجاوز مفهوم البناء الشكلي إلى اقتراح فلسفي حول الحياة نفسها، الرتابة ليست ضعفًا في الوجود، بل شكلٌ من أكثر أشكاله عمقا.
معمار طقسي
الرواية مقسمة إلى فصول بحسب الأوقات (الفجر، الصبح، الشروق، الضحى، الهاجرة، العصر، الغروب، الشفق ...). ليس ثمة تسلسل سببي للأحداث، بل سرد متقطع، دائري، يكرر نفسه كما يكرر الإنسان القروي طقوس يومه، فلا شخصيات رئيسية، بل شذرات من الوعي، تأملات، وأصوات تتردد كما في أذان أو مناجاة. والمروي ليس حكاية بل إحساس؛ ووقوف على العتبات، باب المنزل، ظل الحائط، ضوء الشمس، صوت المؤذن، خطوات المارّة، لحظات التوتر أو السكون. كل مشهد هو جزء من طقس أكبر، لا يبحث عن نتيجة بل يعيد إنتاج إيقاع الحياة اليومية، بما تحمله من استسلام، وحنين، وربما غموض.

إن الحرية التي يمنحها المؤلف للقارئ في ترتيب الفصول ليست مجرد مرونة شكلية، بل هي تفكيك جذري لمفهوم الحبكة، الرواية تتحرك أفقيًا وليس تصاعديًا؛ فلا نقطة ذروة، ولا نهاية حاسمة، بل دوائر زمنية تتشابك كما مثل لحظات اليوم الواحد في ذاكرة ريفية. هذه الدائرية تكسر فقط الحبكة التقليدية، بل تؤسس كذلك لمفهوم الرتابة كقيمة فنية. فالتكرار لا ينتج مللًا، بل يُعيد تأمل تفاصيل اليومي عبر إيقاع طقسي يُحاكي بنية الحياة الريفية ذاتها، حيث لا جديد يحدث، لكن كل شيء يتكرر بطريقة تمنح المعنى لمن يعيشها. الزمن الدائري يصبح مرآة للعيش القروي الرتيب، ولكنه أيضًا إطار جمالي للتأمل والبطء والانتباه إلى التفاصيل الصغيرة، بهذا المعنى، لا يبدو غياب الحدث نقصًا، بل مقصودًا، لأن المعنى ليس فيما يحدث، بل في ما يُعاد حدوثه، ويُستعاد بوصفه جزءًا من دورة متكررة للحياة.
الشمس توقظ النص
يُقسم الزمن في الرواية وفقا لحركة الشمس، كل فصل زمني يستدعي مقطعًا سرديًا مشبعًا بالإيقاع، كما لو أن الضوء نفسه يكتب النص. المكان كذلك لا يُقدّم كوصف بل كترتيل: ترعة، مزلقان، مسجد، مقام، ديوان. كل هذه المفردات تُستعاد بوقع طقسي، تُكرّر، وتُعيد بناء الريف في الذاكرة. لا نعرف أحداثًا تدور في القرية بقدر ما نحيا في إيقاعها الداخلي.
والرواية هنا لا تكتب المكان بوصفه موقعًا جغرافيًا، بل كذاكرة جماعية، الأمكنة لا تتحرك، بل تستدعي حركة النفس إليها. ولهذا فإن رسم المؤلف لخريطة القرية داخل النص، ليس توثيقًا بصريًا، بل تثبيت لشيفرة شعائرية، يُستدعى بها الفضاء كما يُستدعى الحنين.
حين لا يتغير شيء
في قلب رواية "سيرة هشّة ليوم عادي" تتكرّس زمكانية فريدة تنبع من استعادة زمن ماضٍ لم يعد يُعاش، ومن مكان ثابت لا يتغير. الزمن في الرواية زمن مستعاد، متكرر، لا يفضي إلى تحول، والمكان جامد، كأن لا شيء يطرأ عليه. كل ما في النص يوحي بأن الحياة تُستعاد كما هي، لا تُخترَع من جديد.
والزمن هنا بمثابة حلقة دوارة تعيدنا دائمًا إلى نقطة البدء. والمكان ليس فضاء يتبدل، بل صورة محفورة في الوجدان. وهكذا تصبح الرواية نصًّا عن مقاومة التغير، وعن ولادة المعنى في ما لا يتغير.
ريف آخر
تُقدّم الرواية الريف بطريقة مختلفة تماما عن تمثيله في الروايات الواقعية أو الاجتماعية. فلا صراع طبقي، ولا مأساة، لا أحلام هروب. بل ريف طقسي، داخلي، ساكن، مشبع بالقداسة والرمز. الإنسان فيه ابن المكان والزمن لا ابن الصراع. الريف هنا لا يُعرض باعتباره واقعا موضوعيا، بل كنسيج رمزي تحمله اللغة، وتستدعيه الذاكرة الشعبية. إنه ريف الوعي واللغة والوجدان، بهذا المعنى، يتجاوز الريف في الرواية كونه حيزًا للزراعة أو العوز أو الهامش الاجتماعي، ليغدو حقلاً ثقافيًا مشبعًا بالشفرات: الزمن، الضوء، الدعاء، المقامات، التراب، الصمت، حفيف الشجر. كل شيء يتحول إلى علامة على المعنى، لا إلى كيان مادي.
الريف هنا يتحول إلى "لامكان"، فلا يهم موقعه الجغرافي أو زمانه التاريخي، بل المهم كيف يُستدعى في وعي السارد/القارئ. والزمن بدوره يتحول إلى زمن ثقافي/روحي، تُحدده حركة الشمس والأذان والظل، لا عقارب الساعة. الزمن لا يُحسب بل يُعاش. والمكان لا يُوصف بل يُرتل.
هكذا تجعل الرواية من الزمن فضاءً دائريًا مغلقًا، ومن المكان نقطة انطلاق في تأمل الذات والوجود. فالبيت ليس بيتًا، بل حضن للوعي. والمقام ليس مزارًا، بل نقطة ارتكاز للروح.
خفوت الدهشة
يسعى الروائي إلى تحويل العادي والمألوف، مثل طقوس الاستيقاظ، تربية الطيور، لحظات انفلات الأعصاب، وملابس الرجال والنساء، إلى مشاهد تحمل معاني إنسانية أكثر رهافة وعمقاً. وقد نجح في مواضع كثيرة في بث الروح الشعرية في هذه التفاصيل، لكن بعض المقاطع جاءت محمّلة بحسّ تقريري مباشر، ولغة وصفية فوتوغرافية، مما أفقد السرد عنصر الدهشة والانكشاف التدريجي، وقيّد الطاقة الرمزية للنص في بعض لحظاته. وتُصبح بعض المقاطع مجرد صور ذهنية أو وصف دقيق دون توليد حقيقي للمعنى، وكأن الكاميرا تسبق القلم. وهذا ما يجعل لحظات السرد الشعرية العميقة أكثر توهجًا، حين يُفلح النص في جعل المألوف غريبًا، واليومي استثنائيًا.
في مديح الرتابة
وأخيرا فإن رواية "سيرة هشّة ليوم عادي" ليست سردًا لأحداث، بل بناء لغوي شعائري يستدعي الريف والزمن والذات ضمن طقس يومي متكرر. إنها نصّ ضد الحبكة، ضد الزمن الخطي، ضد الحدث، وتلك ليست فوضى سردية، بل خطة جمالية عميقة تعيد للرتابة دورها كجمالٍ ووعيٍ وهُوية، فالرتابة ليست نقيضًا للمعنى، بل هي شكله الأعمق حين يُعاد اكتشافه من خلال تكرار العادي والمألوف. بهذه المقاربة، تنجح الرواية في تحويل تفاصيل الحياة الريفية إلى ما يشبه التأملات اليومية، حيث يصبح السكون فعلًا، والبساطة عمقًا، والعادي مجالًا للدهشة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك