سر الدقائق الأخيرة
لقد اعتاد الناس أن ينسبوا الإنجازات الكبيرة إلى الحظ أو الصدفة، بينما يغفلون عن الحقيقة الأهم وهى أن الحظ لا يبتسم إلا لمن يواصل السعي حتى اللحظات الأخيرة، فخلف كل نجاح قصة طويلة من الإصرار وخلف كل انتصار إرادة رفضت الإستسلام، وقد أعادت بطولة كأس العالم الحالية إلى الأذهان هذه الحقيقة من خلال ما قدمه منتخب الأرجنتين من ملحمات وانتصارات كان بطلها فى اللحظات الأخيرة، فرغم أنني لست من مشجعي المنتخب الأرجنتيني في الفترة الحالية، كما أن علاقتي بتشجيعه انتهت بانتهاء جيل النجوم الذين أحببتهم مثل أورتيجا وباتيستوتا وفيرون وزانيتي وريكيلمي وسافيولا وأخيرًا دي ماريا، فإن الإنصاف يفرض علينا الإعتراف بما قدمه هذا المنتخب من نموذج استثنائي في الإصرار والعزيمة
لقد كان القاسم المشترك في أهم مبارياته بلأدوار الاقصائية هو الإيمان بأن المباراة لا تنتهي إلا مع صافرة الحكم، ففي الوقت الذي اعتقد فيه المنافسون أن الفوز أصبح في متناول أيديهم، كان اللاعبون الأرجنتينيون يقاتلون حتى اللحظة الأخيرة، مؤمنين بأن الأمل لا يسقط إلا إذا استسلم صاحبه، لذلك لم تكن الدقائق الأخيرة مجرد فترة زمنية، بل كانت عنواناً لعقلية مختلفة قوية لا تعترف باليأس ولا تسمح للظروف أو الضغوط بأن تهزمها، لقد امتلك اللاعبون شخصية قوية وثقة بالنفس وقدرة على التعامل مع أصعب المواقف دون انهيار، وهو ما صنع الفارق في الثلاث مواجهات الأخيرة، فالفوز على الرأس الأخضر تم فى الدقائق الأخيرة من الشوط الإضافي الثانى وايضاً الفوز على منتخب مصر تم بإحراز ثلاث اهداف فى اقل من ربع ساعة واخيراً الفوز على المنتخب الانجليزي القوى والعنيد تم بنفس السيناريو بإحراز هدفين فى اقل من ربع ساعه أيضاً
لقد لوحظ في الأيام الماضية انشغال الكثيرون بالبحث عن سر هذه الدقائق الأخيرة، وكأن الأمر يعود إلى الحظ أو إلى قوة خفية صنعت تلك العودة المذهلة، غير أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، فالسر يكمن في العقلية وفي الإيمان الراسخ بأن الفرصة تظل قائمة ما دام الوقت لم ينتهِ بعد، ولعل ما قاله الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه يلخص هذا المعنى حين قال:
«ما لا يقتلني يجعلني أقوى.»
فكل أزمة مر بها المنتخب، وكل لحظة تأخر فيها بالنتيجة كانت تزيده صلابة وثقة، حتى تحول الضغط إلى دافع والصعوبات إلى مصدر قوة
فى الحقيقة هذا الدرس الذى قدمه المنتخب الأرجنتيني أرى أنه لا يخص كرة القدم وحدها، بل يمتد إلى حياتنا العامة، ويعتبر درساً إنسانياً قبل أن يكون رياضياً، مفاده أن الأمل لا يرتبط بالنتائج المؤقتة لكن بالإيمان بالنفس، وأن الإرادة الصلبة قادرة على تغيير مجرى الأحداث مهما بدت الظروف صعبة ومعقدة، فغالباً النجاح لا يولد في ظروف مثالية دائماً وإنما يولد من رحم التحديات والصعاب، قكثير من العظماء لم يصلوا إلى القمة لأن الطريق كان سهلاً بل لأنهم رفضوا التراجع عندما واجهوا العقبات والعراقيل، فحولوا الفشل إلى خبرة والهزيمة إلى بداية جديدة، فى النهاية طالما بقى بالعمر اوقات وانفاس، وفي القلب عزيمة وإصرار فإن الفرص لا تزال قائمة والنجاح لا يزال ممكناً.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك