من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

من الاستيطان إلى الآثار .. الاحتلال الإسرائيلي يفتح جبهة جديدة للسيطرة على الضفة الغربية

محمد جمال قنديل
من الاستيطان إلى الآثار ..  الاحتلال الإسرائيلي يفتح جبهة جديدة للسيطرة على الضفة الغربية



جنوب بيت لحم، عند قرية أرطاس، تقف ثلاث برك حجرية متتالية شُيّدت قبل قرون لتغذية القدس وبيت لحم بالمياه. اليوم صارت هذه البرك، المعروفة باسم برك سليمان، نقطة احتكاك يومية بين أهالي المنطقة وقوات الاحتلال، بعدما تحوّلت زيارة رمزية قام بها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى الموقع، برفقة مستوطنين وعضو كنيست سبح في إحدى البرك أمام الكاميرات، إلى ما يشبه إشارة انطلاق لتصعيد ميداني متصل.

منذ تلك الزيارة، تكررت عمليات إغلاق الموقع أمام الزوار الفلسطينيين، واستُخدمت قنابل الغاز والصوت لتفريق العائلات القادمة من بيت لحم ومخيمات اللاجئين المجاورة، واعتُقل ثلاثة شبان وتعرضوا للضرب أثناء محاولتهم الوصول إلى البرك. مدير مركز أرطاس للتراث الشعبي، فادي سند، يقول إن ما يحدث ليس حادثاً عابراً، فالمركز الذي يعمل منذ عام 1993 على توثيق تاريخ المنطقة رصد نمطاً متكرراً من محاولات تقييد وصول الفلسطينيين إلى مواقع مجاورة أيضاً، من مدينة إيتام الكنعانية إلى نفق قناة السبيل وعين القسيس.

الخلفية القانونية لهذا التصعيد لم تعد خافية. صادق الكنيست مؤخراً على قانون يمنح الجهة المسؤولة عن المواقع التراثية في الضفة الغربية صلاحيات تشمل آلاف المواقع الأثرية، بما يتيح عملياً مساراً لضمها تدريجياً دون أي اعتراف بالسيادة الفلسطينية عليها. وسبق لمسؤولين إسرائيليين أن لوّحوا بتطبيق منطق مشابه على مواقع أخرى، منها آثار سبسطية الرومانية شمال الضفة، التي يجري التخطيط لمصادرتها بحجة إهمال الفلسطينيين لها، إضافة إلى جبل الفريديس شرق بيت لحم والنبي صموئيل شمال القدس وقرية بتير المدرجة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي.

حجم برك سليمان نفسه يفسر جزءاً من قيمتها؛ سعتها الإجمالية تتجاوز ربع مليون متر مكعب، وتتوزع على ثلاث برك تصب العليا منها في الوسطى ثم في السفلية التي يعود بناؤها إلى العصر المملوكي، فيما استُبدلت القنوات الفخارية القديمة بمضخات معدنية مع بداية الانتداب البريطاني عام 1919. الموقع اليوم يستقبل نحو نصف مليون زائر سنوياً ويضم مرافق سياحية وقاعة مؤتمرات، ما يجعله مصدر دخل لا يستهان به لسكان المحافظة، فضلاً عن كونه أحد المعالم القليلة التي بقيت خارج سيطرة الاحتلال المباشرة حتى وقت قريب.

الباحث سامر شاهين وصف ما يجري بأن البرك دخلت "عين العاصفة" نتيجة قرار إسرائيلي ممنهج يستهدف كل مصادر المياه والمواقع الأثرية في الضفة معاً، لا الأرض وحدها. وهذا ما يفسر، بحسب متابعين لملف التراث الفلسطيني، لماذا لم يعد الحديث يقتصر على مصادرة عقارية تقليدية، بل امتد إلى محاولة إعادة كتابة رواية المكان نفسه، عبر تحويل مواقع فلسطينية تاريخية إلى مزارات ذات طابع ديني يهودي.

في المقابل، تحوّلت البرك نفسها إلى نقطة تجمع شبه يومية. عائلات من بيت لحم وشبان من مخيمات لاجئين تفتقر لأي متنفس عام بديل يقصدون الموقع، بعضهم للسباحة وبعضهم فقط للجلوس على حوافه الحجرية، في ما بات يوصف محلياً بأنه شكل من أشكال المقاومة عبر الحضور. الرسالة التي يحملها هؤلاء الزوار، كما ينقل عنهم، مباشرة: سموتريتش والمستوطنون غير مرحب بهم هنا.

لا يبدو أن هذا الملف سيُحسم قريباً. القانون الذي أقره الكنيست يمنح الغطاء لتكرار السيناريو نفسه في مواقع أخرى، والتحذيرات من مسؤولي التراث المحلي تشير إلى أن برك سليمان قد تكون البداية لا الاستثناء. وبين قرار سياسي يمنح الاحتلال أدوات قانونية للتوسع، وحضور شعبي فلسطيني يومي يحاول تثبيت وقائع مضادة على الأرض، تتحول برك سليمان إلى نموذج لما ينتظر عشرات المواقع الأخرى في الضفة الغربية إذا استمر هذا النهج دون كابح حقيقي.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10195
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.