من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

شلل نيويورك: لماذا عجزت الأمم المتحدة عن إدارة صراعات القرن الحادي و العشرين ؟

محمد علي سماحة باحث في العلاقات الدولية
شلل نيويورك: لماذا عجزت الأمم المتحدة عن إدارة صراعات القرن الحادي و العشرين ؟


مقدمة:

في ظل تحولات النظام العالمي ، لم يعد الحديث عن العجز الأممي مجرد نقد أكاديمي مكرر ، بل بات حقيقة واقعة تفرضها الممارسات الجيوسياسية . فمع تنامي الصراعات الإقليمية

تقف منظمة الأمم المتحدة مكتوفة الأيدي أمام النزاعات الأكثر عمقاً و استعصاءً في القرن الحادي والعشرين .

إن المشهد السياسي الراهن يثبت أن الأزمة ليست عابرة ، بل هي إعلان صريح عن نظام

عالمي جديد يتسم بالتعددية المجزأة ، حيث أدركت العديد من الدول أن مصالحها القومية لن

تتحقق إ الا من خلال خلق كيانات إقليمية صغيرة تتسم بالمرونة بدلًا من المؤسسات التقليدية .



أولًا: مظاهر الشلل الأممي و سلاح الفيتو

تفاقمت أزمة الفاعلية الأممية في عجز مجلس الأمن عن التعامل الحاسم مع بعض الأزمات الدولية . تلك الأزمات كانت نتاج أزمة كبرى داخل منظمة الأمم المتحدة ألا وهي أزمة استخدام حق النقض )الفيتو( ، الذي يستحوذ عليه الدول المنتصرون في الحرب العالمية الثانية ، فكلما زاد تضارب المصالح الحيوية بين الولايات المتحدة وروسيا والصين زاد استخدام ذلك الحق كأداة صراع بإمكانها الحكم في مصير العديد من الشعوب )عبدالحميد،.(0202

تتجلى حالة العجز في قرارات الأمم المتحدة قبر عدة جهات ساخنة منها القضية الفلسطينية ،

تلك القضية التي لطالما ساعد حق الفيتو واشنطن على تقديم أفضل دعم سياسي للكيان الإسرائيلي ذلك بإفشال صدور أي قرار من مجلس الأمن يلزم إسرائيل بضرورة وقف


احتلال أراضي فلسطين أو إفشال أي قرار يدين الحكومة الإسرائلية باستخدام القوة المفرطة

وخصوصاً في الحرب على قطاع غزة في نهاية عام 0222 أدى ذلك إلى الشك في مصداقية

الأمم المتحدة بسبب الفيتو الأمريكي )بن أحمد، محمد ،.(0202

ومن أمثلة تلك الجهات أيضاً الحرب الروسية الأوكرانية ، حيث فشل مجلس الأمن الدولي في

02 فبراير عام 0200 ، في تبني مشروع قرار حول أوكرانيا اقترحته الولايات المتحدة

وألبانيا وصوت لصالح مشروع القرار ، 11 عضوًا في مجلس الأمن وامتنعت الصين والهند

والإمارات عن التصويت ، وجاء الفشل نتيجة استخدام روسيا حق النقض بصفتها عضو دائم

في مجلس الأمن )مجلس الأمن الدولي ، .(0200




ثانياً : الجذور الهيكلية و التغير الجيوسياسي

يكمن السبب الجذري للمشكلة في " البنية القانونية لعام 1422 " التي صُممت لخدمة وتلبية

رغبة الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية ، ذلك المجلس الذي يتكون حالياً من 12

دولة ، 2 دول دائمة العضوية ) الولايات المتحدة ، وروسيا ، والصين ، وبريطانيا ، وفرنسا

( وتتمتع بحق الإعتراض _ الذي يسميه بعض المحللين بحق الإجهاض _ و 12 دول غير

دائمة العضوية ليس لهم حق النقض ، وكل عام تُنتخب 2 دول غير دائمة العضوية لمدة

عامين ، تمثل مختلف قارات العالم ، منها 2 دول إفريقية ، و 2 دول من آسيا ، و 0 من

أمريكا اللاتينية و دولة من الكتلة الشيوعية السابقة شرق أوروبا ، ودولة من غرب أوروبا ،

ويحتاج تمرير القرار إلى موافقة 4 دول ، سواء أكانت دائمة أم غير دائمة العضوية ، بشرط

ألا تستخدم دولة من " الخمس الكبار " حق الفيتو ) مركز الدراسات العربية الأوراسية ،

.( 0202

هذا يمنع اتخاذ أي إجراء رادع ضد أي من هذه الدول دائمة العضوية أو ضد حلفائها ، مما

يجعل المنظومة الأممية مشلولة بنيوياً في مواجهة أزمات كبرى كحرب أوكرانيا أو العدوان


على غزة . إ ان هذا التصميم " المحنط زمنياً " يصطدم اليوم مع الواقع الجيوسياسي الجديد

لعام 0202 ؛ حيث أن النظام الدولي لم يعد ثنائياً )الولايات المتحدة و الإتحاد السوفيتي( أو

أحادياً ) الولايات المتحدة بعد حرب الخليج ( ، بل أصبح نظاماً متعدد الأقطاب .

فاليوم دول مثل ألمانيا واليابان ، وهي الدول المهزومة في الحرب العالمية الثاينة أصبحت

دولًا فاعلة في النظام الدولي الجديد تطالب بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن ، فاليابان _

حسب تقرير و إحصائيات الأمم المتحدة _ هي ثاني أكبر مساهم في تمويل الأمم المتحدة

بنسبة تصل إلى نحو %12 من الموارد المالية التي تصل إلى الأمم المتحدة ، في أن ألمانيا

ضمن أكبر 12 دول تساهم في المنظمة الأممية .

هذا التناقض الهيكلي أدى إلى وجود تآكل في شرعية المنظمة ؛ حيث باتت العديد من الدول

تنظر إلى مصالحها القومية على أنها أهم من الإلتزامات الأممية المشتركة .



ثالثاً : التعددية المصغرة و صعود التحالفات المفصلة

أمام الإنسداد التاريخي في أروقة الأمم المتحدة ، وصراعات الفيتو التي تتحكم في مصير العديد من الشعوب كما ذكرنا سالفاً ، لم تقف القوى الإقليمية و الدولية مكتوفة الأيدي ، بل

سارعت لإنشاء كيانات صغيرة تحقق من خلالها مصالحها الإستراتيجية . على سبيل المثال :

تحالف أوكوس AUKUS) ( ، وهو اتفاق أمني عسكري ثلاثي يضم أستراليا ، و الولايات

المتحدة ، و بريطانيا ، تأسس في 12 سبتمبر 0201 بهدف تعزيز المقدرات العسكرية

والأمنية للأعضاء ؛ حيث تعمل الولايات المتحدة و بريطانيا و أستراليا لتنفيذ خطة مشتركة

تهدف لإنشاء أسطول جديد من الغواصات تعمل بالطاقة الننوية ، هذه الغواصات ستسمح بشن

ضربات بعيدة المدى ، بالإضافة إلى تبادل التقنيات المتقدمة في مجال الذكاء الإصطناعي و

الحوسبة و القدرات السيبرانية ، مما يجعل هذا التحالف بمثابة حجر الزاوية في الإستراتيجية

الغربية لاحتواء التوسع العسكري للصين في المحيطين الهندي والهادئ و تهديداً للمصالح

الأمنية والجيوسياسية لكل من بكين وموسكو ) مونت كارلو الدولية ، 0202 .(


هناك أيضاً تجمع البريكس ) (BRICS الذي تأسس عام 0224 ويضم الآن 12 دول ) مصر ،

الهند ، البرازيل ، الصين ، إيران ، روسيا ، الإمارات العربية ، جنوب إفريقيا ، إثيوبيا ،

إندونيسيا ( . يشهد التحالف صعوداً غير مسبوق في مجالات التنمية وتغيير موازين القوى

الدولية ، ذلك التحالف إستناداً إلى تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي ، بالإضافة إلى

تقارير صادرة عن أجهزة الإحصاء للدول الأعضاء يمثل ما يقرب من %21 من إجمالي

الناتج المحلي ، بالإضافة إلى السيطرة على ما يقرب من %52 من الموارد الأرضية النادرة والمهمة للصناعات التكنولوجية المتطورة .

إن هذا الإتجاه المتصاعد نحو بناء كتل إقتصادية و أمنية مستقلة يؤكد أن العالم يغرق في

فوضى عشوائية ، بل يعيد تنظيم نفسه في مربعات نفوذ أصغر و أكثر تجانساً ، معلناً عن

بداية عصر التعددية المصغرة .



خاتمة :

إستناداً إلى ما تقدم ، يتضح أن أزمة الأمم المتحدة الراهنة لم تعد مجرد أزمة عابرة يمكن

تهميشها ، بل هي السبب الأبرز لولادة نظام عالمي جديد يلفظ الهياكل الدولية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية . يتضح لنا أ، الفجوة بين صدور القرارات ) من محكمة العدل الدولية

والجمعية العامة ( وبين غياب آليات الإنفاذ تؤكد لنا أ ان منظمة الأمم المتحدة نجحت على

الورق في وضع القوانين والتشريعات الدولية ، لكن على أرض الواقع فإن المنظمة الأممية

فشلت في المحافظة على شرعية هذه القوانين وتنفيذها بشكل عادل بين الأمم .

ذلك الشلل يمثل إعلاناً رسمياً عن انتهاء حقبة المنظمات الكبرى لتحل محلها حقبة الكتل الصغيرة تاركةً خلفها إرث القرن العشرين .


لائحة المراجع:

عبدالحميد ، أحمد .(0202) أزمة الشلل المؤسسي في مجلس الأمن الدولي و انعكاساتها على

السلم العالمي . مجلسة السياسة الدولية ، 24 (022) .


بن أحمد ، محمد .(0202) أثر حق الفيتو على فاعلية مجلس الأمن الدولي في حفظ السلم

والأمن الدوليين. المجلة الجزائرية للعلوم السياسية و القانونية ، 2 .(0)





.2454 الحالة في أوكرانيا ،

02 فبراير( . محضر الجلسة

مجلس الأمن الدولي . 0200)، الأمم المتحدة .



مونت كارلو الدولية. .(0202) ما هي اتفاقية أوكوس التي تعتبرها الصين وروسيا خطراً محدقاً ؟


أيمن سمير .(0202) إصلاح مجلس الأمن فريضة غائبة . مجلس الدراسات العربية الأوراسية .


BRICS. (2023). Johannesburg II declaration: BRICS and Africa: Partnership for mutually accelerated growth, sustainable development and inclusive multilateralism. Department of International Relations and Cooperation of South Africa.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10206
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.