من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

شحتوت

حمدي البطران
شحتوت


من الشخصيات التي علقت بذاكرتي، منذ طفولتي الأولي، وحاولت عبثا طرده منها ولكنه رفض، وقبع داخل تلافيفها، يناوشني من آن لآخر، ويعيد تفاصيل تعذيبه الرهيب لي طفولتي المبكرة. من خلال ممارسته لمهام وظيفته، كحلاق رسمي لقريتنا. 

غير أنني قررت أن أحاكمه بالكتابة عنه. 

كان بقريتنا، شاب كان يتيم الأب والأم، قرر الزواج من سيدة مطلقة، خلال فترة الخطوبة اعترفت للمقريين منها أنه غير مختون، كان اعترافها، حسب ما عرفنا بعد، أنها لا تتحمل ذنب الزواج من رجل غير مختون. 

واستشار المقربون منها شحتوت الحلاق في الأمر، فقرر أن يقوم بالمهمة، فأوصي بأن يساعده رجلان قويان، وطلب أن تصنع له فلكه خاصة، كتلك التي كنا نعلق بها من أرجلنا، في كتاب الشيخ الضرير. الفلكة صنعها نجيب نجار قريتنا، والذي كان يصنع الأوتاد بأنواعها المختلفة.

كانت الفلكة تحقق التقييد التام للقدمين. وتجعلهما متباعدين، بحيث تكشف الفلكة عندما ترفع، عن العضو المطلوب ختانه. 

وفي اليوم المشهود، تجمع الرجال عند دكان شحتوت. 

حسب ما وعته الذاكرة، لم يكن له دكان، ولكنه كان يجلس بجوار شجرة سنط هائلة. زرعها الخديوي توفيق، أيام النهضة. ثم صارت الشجرة مكان مسورا بالخوص، كان ينام فيه، وفيه تزوج، بأم السعد، والتي صارت فيما بعد داية تقوم بتوليد النساء، اتسع الخص وتمدد، حتى صار بيتا، ودكانا، وغرفة للخزين، يضع فيها محصول الغلال الذي يأتيه مع جمع المحاصيل.

تجمع الرجال عند دكان شحتوت، ليشهدوا حدثا لم يرد في التاريخ، ولم يذكره أحد، ختان رجل في الخامسة والعشرين. 

كان شحتوت قد أعد عدته، وجهز أمواسا مسننة، تم شحذها عند عابدين، طياب السكاكين، الشهير روقتها. والفلكة القوية المصنوعة من جذوع الأشجار والتي صنعها خصيصا لتلك المناسبة.

بدأ الحلاق يجهز نفسه لليوم المشهود. جهز أيضا أربعة رجال أشداء، وحبال كافيه لتقييد الضحية احتياطيا إذا لزم الأمر.

وقد سرت إشاعة في القرية أن السيدة المطلقة هي التي تكفلت بكل التكاليف المالية العملية، حتى تضمن رجلا لا ينقصه شيء.

كنت أقف مع مجموعة من الأطفال، في موقع استراتيجي بحيث أمكنني مشاهدة الفلكة وهي جاثمة في مكانها، وحراسها الأربعة، والحبال، والأمواس التي كان يخبئها الحلاق شلتوت في حقيبة جلدية باهته. 

وشاهدت متولي الضحية، الشاب الذي سيجرى ختانة، وسط أصدقائه، كان يدخن بشراهة وينفث الدخان. وكان مسرورا، وكأنه في يوم عرسه، بجلبابه الأبيض، الذي يشبه قميص السودانيين.

وقتها كان العمدة حاضرا، وشيخ الخفراء، ومندوبون من قري مجاورة، وأقارب لأهل القرية، وأقارب لعائلتنا من قري مجاورة طلبوا أن يشهدوا الحادث الجلل.

كان شحتوت، قد عمل حساب لكل شيء، وأستأجر لحسابه الخاص بوفيه يصنع الشاي والتعميرة والحشيش، وأكواب الشربات، وتحولت الساحة أمام دكان شحتوت إلي مولد كبير، وكان هناك مزمار بلدي، وجلسه أخرى تعزف فيها الربابة. وطبول معلقه في رقاب أصحابها يقرعونها بالعصي. 

شمر شحتوت عن ساعديه كالأسد، ودخل البيت، وغاب فيه لحظات وخرج. وفي يده زجاجة بها سائل أحمر عرفنا، فيما بعد، أنه الميكروكروم المطهر. بعد أن ترك الناس تراب الفرن الذي كان يسد به الجروح ويرممها قبل ذلك. 

ودخل متولي ضاحكا، مبتهجا، لم يكن قد فطن الي الفلكة، وأجلسوه على ماجور فخاري مقلوب، ولكن شحتوت رأي أنه ليس مناسبا، فطلب رفعه واستبداله بحصير. وفورا جاءت الحصير، وفرشوها على الأرض، وجلس متولي باسما، وهنا أعطى شحتوت إشارة البدء.

وتقدم اثنان من الرجال الغلاظ من متولي، الآخران قاما بإدخال قدمي متولي في الفلكة، وأداروها، ورفعوا عمودها الرئيسي علي أكتفاهم. وهنا أنقلب متولي علي ظهره، كاشفا عن عضو يشبه قنديل الذرة الشامية، تناوله شحتوت، وهرسه بين يديه، ثم أزاح الجلد الزائد إلى الخلف، وكشف عن الحشفة، ثم أمسك الموسى، وشرع في القطع، وفي تلك اللحظة، انطلقت الأعيرة النارية، وقرع الطبول وزغاريد النساء، والتصفيق الحاد، وهو ما أحدث نشوة عارمة، كان شحتوت هو بطلها من دون منازع، وأحس للمرة الأولي أنه محط أنظار كل البشر، وكانت الموسى في يده وهوي بها على الرأس كلها، ولم يشعر إلا وهي في يده، ونافورة من الدماء تنطلق من كوز الذرة المبتور. فقام على الفور بربطه بالشاش، وسكب عليه من زجاجة الميكروكروم . 

وتبادل الحضور التهاني. 

ثم نقلوا متولي إلي منزله.

ثم اختفي متولي من الذاكرة هو ومطلقته، ولكنه عاد بعد سنوات وظهر في الهيشة، وهي منطقة على شاطئ النيل، مملوء بالديس والحلفا والهيش، على شاطئ النيل وسكنها حتى الآن يمارس الأحجبة وقراءة البخت وعمل الأحجبة للنساء قاصدات الحبل. 

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10209
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.