من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

بين اللوحة والواقع.. "ليالينا" يُرسم المجتمع بعين رسام ضمن فعاليات مهرجان قسم المسرح الدولي

بقلم إيهاب ذوالفقار
بين اللوحة والواقع..


يقدم المخرج محمد الحضري، في معالجته الدراماتورجية لنص نعمان عاشور «الناس اللي تحت»، عرضًا لا يكتفي بإعادة قراءة النص، بل يعيد صياغة بنيته البصرية والدرامية من خلال رؤية تجعل الفن ذاته وسيطًا لقراءة الواقع. فالعرض لا ينطلق من فكرة الصراع الطبقي باعتبارها قضية اجتماعية مباشرة، وإنما يجعلها مادة تشكيلية يعيد الرسام رسمها أمام الجمهور، فتتحول الشخصيات إلى ألوان، والمواقف إلى لوحات، بينما يصبح المسرح مرسمًا واسعًا يعرض المجتمع لا كما هو، بل كما يراه الفنان.


حكاية شعب

"الناس اللي تحت" هي واحدة من أشهر المسرحيات الواقعية في الأدب المسرحي المصري، ألفها الكاتب الكبير نعمان عاشور عام 1957. تدور أحداثها حول الصراع الطبقي داخل مبنى سكني واحد، حيث ترصد التناقضات بين طبقات المجتمع المختلفة في فترة ما قبل ثورة 1952.

والتي تنقل المجتمع على ثلاث طبقات ( الادوار العليا والمتوسطة والسفلية) بينما الحضري يبنى مجتمعه على طبقتين فقط، أعلى واسفل.


يبني العرض عالمه الدرامي على أربعة ثنائيات تمثل شرائح المجتمع المختلفة؛ بهيجة ورجائي بوصفهما نموذجًا للرأسمالية وصعود السلطة المرتبطة بالمال، ورحيم وفاطمة ممثلين للطبقة العاملة النفعية التي تحكمها الحاجة، وعزت ولطفية بوصفهما صوت الثقافة والفن، بينما يجسد فكري ومنيرة الطبقة الشعبية التي تتلقى نتائج صراعات الجميع. ومن خلال هذه النماذج لا يقدم العرض شخصيات فردية بقدر ما يقدم أنماطًا اجتماعية تتقاطع مصائرها حول قضايا الزواج والعمل والثقافة، ليكشف كيف ينقسم المجتمع بين من يملكون سلطة الصعود، ومن يظلون دائمًا في الأسفل.


اختار الحضري بناء عرضه عبر مجموعة من اللوحات المنفصلة دراميًا، لكنها متصلة زمنيًا، فتبدو الأحداث وكأنها سلسلة من المشاهد المستقلة التي لا تكتمل دلالتها إلا بتجاورها. ومع تطور الزمن تتشابك مصائر الشخصيات وتتبدل مواقعها الاجتماعية، فتتحول اللوحات المنفصلة إلى صورة واحدة للمجتمع، في بناء أقرب إلى معرض تشكيلي منه إلى الحكاية المسرحية التقليدية.


وتزداد هذه الفكرة وضوحًا من خلال شخصية الرسام "عزت"، التي لا تبدو مجرد شخصية داخل الحدث، بل العدسة التي يرى الجمهور من خلالها العالم. فالشخصيات جميعها تتحرك بأداء وهيئات كاريكاتيرية مبالغ فيها، بينما يحتفظ عزت بملامحه الطبيعية، وكأن الواقع لا يظهر أمامنا مباشرة، وإنما بعد أن يمر عبر عين الفنان التي تعيد تشكيله. ومن هنا يصبح العرض رؤية فنية للواقع أكثر من كونه محاكاة له.


وتلعب الموسيقى دورًا دراميًا موازيًا للصورة؛ إذ لا تأتي أغنيات المذياع بوصفها استدعاءً لزمن الأحداث فقط، بل باعتبارها ناقلًا للحالة الشعورية والسردية. فتتنقل الأغنيات بين أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة، لتصبح تعليقًا وجدانيًا على التحولات النفسية للشخصيات، بينما تحضر أغنية **"ليالينا"** بوصفها الثيمة الموسيقية الأكثر حضورًا، حتى تغدو عنوانًا للعرض وروحه في آن واحد، حيث تختزل حالة الحنين والانكسار والتحول التي يعيشها الجميع.


كاركتير 

جاء الأداء التمثيلي منسجمًا مع المنظور البصري للعرض، فاعتمد على المبالغة في الحركة والصوت، واستدعى أساليب الأداء المسرحي القديمة بوصفها علامة زمنية تشير إلى الفترة التي تدور فيها الأحداث. إلا أن هذه المبالغة لم تتحول إلى افتعال، بل ظلت منضبطة داخل الإطار الكاريكاتيري الذي فرضته رؤية العرض، فجعلت الشخصيات تبدو أقرب إلى الرسوم المتحركة داخل لوحة تشكيلية. ليبرز الطابع الكوميدي الساخر مثل الكاريكاتير 


وبرز أداء ممثل شخصية (رجائي) باعتباره الأكثر اكتمالًا بين شخصيات العرض، إذ تنقل بسلاسة بين الكوميديا والتراجيديا دون أن يفقد ملامح الشخصية الكاريكاتيرية التي رسمها العرض منذ البداية. كما استطاع أن يتحول في بعض اللحظات إلى صوت الحكمة الذي ينقل فلسفة العرض، مقدمًا أداءً صادقًا ومختلفًا عن الأداء الشكلي المحيط به، حتى بدا وكأنه يقف خارج الطبيعة الدرامية للأحداث، يراقبها ويعلّق عليها في الوقت نفسه.


وفي المقابل، فرضت شخصية (بهيجة) حضورها عبر طاقة أدائية مرتفعة انسجمت مع صخب ألوان الشخصية وهيئتها، فجاءت انفعالاتها واضحة، بينما حافظت لحظاتها الكوميدية على انضباط الإيقاع دون الوقوع في المبالغة المجانية. كما تميزت بقية الشخصيات الرئيسية في تقديم أنماط أداء مختلفة تعكس طبيعة كل نموذج اجتماعي، مع حفاظ الجميع على وحدة الإيقاع العام للعرض، وهو ما منح الأداء الجماعي توازنًا واضحًا، وجعل اختلاف الشخصيات مصدرًا لثراء الصورة لا سببًا لتفككها


فرشة ولون

اعتمدت السينوغرافيا على منطق اللوحة التشكيلية بوصفها المرجع البصري الحاكم للعرض. فقد جاءت خلفية المسرح بانوراما تضم عددًا من اللوحات المصغرة التي تبدو وكأنها أعمال الرسام المتراكمة، بينما وُضعت لوحة الرسم الخاصة بعزت في أقصى شمال مقدمة المسرح، خارج الصورة الرئيسية. هذا الموضع لم يكن اختيارًا تشكيليًا فحسب، بل حمل دلالة واضحة؛ فما يشاهده الجمهور ليس الواقع ذاته، وإنما لوحة يرسمها الفنان من خارجها.


وفي منتصف الخشبة يحتل الصالون مساحة مشتركة بين غرف البدروم، ليصبح نقطة التقاء جميع الشخصيات رغم اختلاف طبقاتها، وكأنه المجال الاجتماعي الوحيد الذي يسمح بحدوث الحوار والتقاطع بين الجميع. ومع تغير الزمن وإزالة هذا الصالون، تختفي مساحة اللقاء، خصوصًا بعد صعود رجائي اجتماعيًا عقب زواجه، فيتحول التغير السينوغرافي إلى دلالة درامية على تفكك المجتمع وانفصال طبقاته، حيث لم يعد الجميع يلتقون في فضاء واحد.


ولعبت الإضاءة دورًا يتجاوز الكشف عن الفضاء إلى أداء وظيفة "فرشاة الرسام". فقد كانت تقتطع أجزاءً من المشهد، وتعيد تشكيل ألوانه وطبقاته البصرية، بما يجعل كل لحظة تبدو وكأنها لوحة جديدة تُرسم أمام المتفرج. كما استعان العرض بتقنية "الاستوب كادر" في اللحظات التي ينفصل فيها عزت عن الحدث ليتحول من مشارك إلى راوٍ أو رسام، فتتغير الإضاءة ويختلف إيقاع الصورة، مؤكدًا أن الفن لا يعيش داخل الحدث، بل يتجاوزه ليعيد تأمله وصياغته.


وامتد هذا المنطق إلى تصميم الملابس والمكياج؛ إذ بدت الشخصيات وكأنها مرسومة داخل لوحة، بملامح وألوان تحمل مبالغات تعكس بواطنها النفسية أكثر مما تعكس واقعها الخارجي. وعلى النقيض، احتفظ الرسام بملابس ومكياج طبيعيين، ليصبح الوحيد الذي ينتمي إلى الواقع بينما ينتمي الآخرون إلى اللوحة التي يرسمها. ومن خلال هذا التكامل بين الديكور والإضاءة والملابس والمكياج، نجحت السينوغرافيا في تجسيد العلاقة بين ظاهر الشخصيات وباطنها، وبين الواقع وصورته الفنية.


في النهاية، يقدم محمد الحضري في "ليالينا" عرضًا لا ينحاز إلى الواقعية المباشرة، وإنما إلى الواقع بعد أن يمر عبر عين رسام. ولذلك لم تكن اللوحة التشكيلية مجرد عنصر جمالي، بل البنية الفكرية التي انتظمت داخلها الدراما والسينوغرافيا والتمثيل معًا. فكل شيء في العرض يؤكد أن الفن لا يعكس العالم كما هو، بل يعيد رسمه، وأن الحقيقة قد تكون أكثر وضوحًا حين تُرى داخل لوحة.

«فالفن لا يعيد إنتاج المرئي، بل يجعلنا نراه.» — بول كلي


تحياتي لفريق العمل

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10219
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.