من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقية لقصة " الوعدة" للأديبة التونسية فتحية دبش

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقية لقصة


تبدأ القصة من عنوان يبدو للوهلة الأولى بسيطًا ، غير أنه كلمة " الوعدة " تجاوز معناه الشعبي لتفتح أفقَا تأويليًا رحبًا.

ففي ثقافة بعض الدول تشير إلى النذر وما يرتبط به من طقوس وذبائح تقدم وفاءًا بوعد قُطع طلبًا لبركة أو قضاء حاجة.

غير أن القارئ غير المطلع على هذا الاستعمال قد يستدعي تلقائيًا معنى " الوعد" ، وهنا تنشأ ثنائية دلالية ، إذ يلتقي الوعد بالنذر عند فكرة واحدة هو تقديم شيء في انتظار شيء آخر، فالعطاء هنا دخل في دائرة المقايضة أيًا كانت مادية أو نفسية.

نحن لسنا أمام عنوان ، بل أمام صفقة تُبنى على الأخذ والعطاء .


ولا تقل الجملة الإفتتاحبة عن العنوان في تأسيس الأفق الفلسفي: " لابد من دم ديك أسود لا أمارة عليه " 

فالكاتبة لا تبدأ بسرد حدث ، وإنما بدأت بصيغة إلزامية مغلقة تتجسد في كلمة " لابد" ، هذه الكلمة تجاوزت الوظيفة اللغوية ، وأسست عالم تعطلت فيه الأسئلة ، فلا أحد يناقش ، ولا آخر يطلب دليلًا .


وهنا تتجاوز" لابد" حدود الكلمة إلى كونها إشارة إلى بنية إجتماعية كاملة تقوم على الإمتثال أكثر من أن تقوم على الإقناع ، فحين تتحول المعتقدات إلى ضرورات يتراجع التفكير ، ويحل محله الطاعة.

هذه الكلمة لا تكشف مجتمع منقادًا فحسب ، وإنما كشفت أيضًا طبيعة السلطة التي لا تحتاج إلى الإقناع .


ويتجلى هذا المعنى تدريجيًا في مسار السرد، حيث تبدو الشخصيات محكومة بسلسلة من الأوامر " اخفضي بصرك ، انحني ، اهدئي" ، إن حضور الأفعال الأمرية ليس تفصيلًا عابرًا ، بل يعكس انتقال الإنسان من مساحة الاختيار إلى مساحة الامتثال.


القصة أيضًا تكشف عن الخوف ، فالأحداث لا تتحرك بدافع الإيمان وحده ، بل بدافع الخوف الذي يغذي هذا الإيمان ليمنحه الاستمرار، يبدأ الخوف من الطفولة مع التهديد بعقاب صاحب الضريح ، ثم إلى الأم الذي يرهقها هاجس العنوسة، إلى أن يستقر في البطلة المنساقة إلى الطقس لا اقتناعًا به، بل لضغط نفسي وعاطفي واجتماعي، لقد خلقت الكاتبة من الخوف أداة للطاعة .


ويكشف السرد في اختيار رواد الضريح عن وعي دقيق بطبيعة الفئة الأكثر قابلية للإنقياد في هذا العالم .

فالغالبية العظمى من النساء ، أم تبحث عن خلاص لابنتها ، وعجائز يحملن الموروث ويعدن إنتاجه ، وصبايا تدفعهن الحاجة إلى أبواب الضريح. 

واحب أُنوه ليس المقصود هنا إدانه المرأة أو اختزالها في صورة الضعف ، وإنما الإشارة إلى أنها في كثير من المجتمعات تتحمل أعباء اجتماعية ونفسية تجعلها أكثر عرضة للبحث عن الخلاص في الماورائيات عندما يعجز الواقع عن انصافها، الوصمة الإجتماعية والألقاب التي تُلصق بها " عانس ، عاقر ، مطلقة " تجعلها تتشبث بأى وعد للخلاص .


وتزداد المفارقة عمقًا ، فالبطلة إمرأة متعلمة وتحمل لقب أستاذة ، لكنها تحت وطأة الخوف وضغط الأم والموروث تسير في الطريق ذاته ، وكأن القصة تشير أن الوعي قد يُهزم أحيانًا أمام سلطة الموروث.


ويلفت الإنتباه تكرار عبارة " ديك أسود لا أمارة عليه " في اكثر من موضع ، فضلًا عن حضورها في الاستهلال ، يمكن قراءة هذا التكرار على انه مُحاكاة للصيغة الطقسية التي تستند قوتها من إعادة التلفظ بها ، حتى تُصبح أشبه بتعويذة .


ومع ذلك ، فإن النص من زاوية الإقتصاد اللغوي كان يكفي في الموضعين الآخرين استخدام كلمة " الديك " فقط ، فقد استقرت أوصافه بالفعل لدي القارئ منذ الجملة الأولى، هذا الاختزال سيحافظ على الدلالة ، ولن ينتقص من القيمة الرمزية لهذا العنصر .


ولا تكتمل البُنية الرمزية للنص دون التوقف عند اختيار عبارة " الجنية اليهودية " فالنص لا يكتفي بالإشارة إلى جنية مجهولة ، ولكنه يمنحها انتماءًا محددًا ، فيمكن قراءة هذا التحديد بوصفه انعكاسًا بالمعتقد الشعبي الذي يربط في بعض الموروثات بين السحر وبعض الجماعات، فينشأ اعتقادًا بأن القوة القادرة على إيقاع الأذي هى نفسها القادرة على رفعه ، ولا يقرر النص حقيقة هذا التصور، وإنما يكشف حضوره في وعى الشخصيات ، ويُبرز كيف يبحث الإنسان عن الخلاص؟.

وتتعزز هذه الرؤية عبر منظومة رمزية شديدة الثراء ، تتجلى في الأشياء والألوان التي تبدو مجرد تفاصيل وصفية ، بينما تؤدي في الحقيقة وظيفة دلالية .

الضريح يمثل سلطة الموروث الذي تتوارثها الاجيال دون مساءلة .

اما الغطاء الأخضر جاء مرتبطًا بالوعى الجمعي بالسكينة والقداسة التي تمنح الهيبة ، لكن المفارقة انه يتحول في نهاية القصة إلى ستار يحجب ما يدور في الخلوة من انتهاكات ، فتصبح القداسة قناعًا يخفي خلفه كل ما هو منتهك. 

الطاقية البيضاء في ظاهرها رمزًا للنقاء والطهارة لكن الأبيض يمثل أيضًا خلفية ، نضع فوقها الألوان ، فتغلُب على اللون الأبيض.

الديك الأسود حضوره كقربان يقدم للخلاص ، فيحمل السواد دلالة الخوف .

ثم يأتي اللون الأحمر الذي يفرض حضوره في نهاية النص من خلال الدم ، باعتباره لحظة إنكشاف الحقيقة ، فيسقط القناع عن منظومة كاملة من الأوهام ،


وهنا تتجاوز القصة حدود نقد الخرافة الشعبية ، بحيث لا تتحدث عن طقس بعينه ، بقدر ما تتحدث عن الكيفية التي تُصنع بها السلطة. 


وتكمن قوة النص في ابتعاده عن الخطاب المباشر ، وجعل الدلالة تتولد من تراكم التفاصيل، ومن الصراع الصامت بين ما يراه العقل، وما يخشاه الإنسان .


الوعدة هو نص فلسفي يطرح اسئلة تتجاوز حدود المكان والزمان ، كيف تتكون السلطة؟ ، ومتى يتحول الإيمان إلى خوف ؟، وكيف نصبح شركاء دون ان نشعر في إنتاج المنظومة التي تُقيدنا ؟

#نقاش_دوت_نت 


التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10220
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.