ثنائية الجسد المكشوف والضمير المستتر .. قراءة نقدية في عرض «الرجل الفيل»
تحت بقعة ضوء علوية، يقف الطبيب فريدريك تريفيس أمام سرير يحتل موقعًا بارزًا في التكوين، فيما تغرق بقية الخشبة في العتمة. تتقاطع ومضات البرق مع دوي الرعد، وتضاعف الملابس الشتوية والكوفية الملتفة حول عنقه الإحساس بالبرودة والعزلة، فيؤسس الاستهلال منذ اللحظة الأولى لعالم تتحول فيه الإضاءة والسرير والجسد إلى علامات درامية مشحونة بالدلالة.
ومن هذا المدخل البصري، يفتح المخرج زياد هاني والدراماتورج مصطفى طلعت الطريق إلى حكاية تستند إلى ما دونه الطبيب فريدريك تريفيس عن حياة جوزيف ميريك. وسرعان ما تتجاوز الشخصية حدود الحالة الطبية المعروضة للفحص، لتغدو بؤرة درامية تعيد توجيه النظر نحو المحيطين بها. وبين صفاء ميريك الداخلي وأناقة الشخصيات من حوله، تتشكل المفارقة المركزية للعرض؛ فالتشوه المرئي يحتضن روحًا تتوق إلى الاعتراف بإنسانيتها وحقها في القبول، بينما تؤكد ملابس لبنى المنسي أناقة العالم المحيط به وانضباطه الظاهري، وتكشف ما يستتر خلف هذا المظهر من نزعات الاستغلال والتملك.
على مستوى التكوين البصري، يقوم الفضاء المسرحي على اقتصاد واضح في المفردات وقابلية عناصره للتحول. فالسرير والكراسي والألواح الخشبية وأجساد الممثلين تشكل وحدات قابلة لإعادة بناء المكان وفق مقتضيات كل مشهد. ومن خلال هذا التكوين يمنح تصميم محمود صلاح للديكور الخشبة مرونة تسمح بانتقالها بين فضاءات السيرك والمستشفى والعالم الاجتماعي المحيط بميريك، مع بقاء الإحساس بالحصار حاضرًا في العلاقات البصرية بين الأجساد والكتل.
وتؤدي الإضاءة التي صممها أحمد طارق دورًا أساسيًا في تشكيل هذا الحصار؛ إذ تضع ميريك داخل بؤر ضوئية ضيقة تستدعي منصات العرض وغرف الفحص، وتبقي جسده في مرمى عين تراقب وتصنف. وفي اللحظات الأكثر هدوءًا، تتسع الرقعة الضوئية وتزداد دفئًا، فيرسم التدرج اللوني المسافة المتغيرة بين الشخصية والعالم؛ من قسوة الانكشاف إلى مساحة وادعة من الألفة. وهكذا يتجاوز الضوء وظيفته التقنية، ليصبح أداة لتحديد موقع الشخصية داخل منظومة الفرجة والنبذ والقبول.
في قلب هذا النسق التعبيري، يحول محمد فريد جسده، في شخصية جوزيف ميريك، إلى مفردة سينوغرافية ووسيط درامي في آن واحد. ويقوم أداؤه على بناء فيزيقي دقيق يجعل الالتواء حالة ممتدة، ويحول المشي والجلوس ورفع الرأس إلى أفعال مشحونة بالتوتر. وتكشف السيطرة على التفاصيل الحركية أثرًا واضحًا لتدريب الممثلين الذي تولاه مصطفى رأفت، إذ يظل التكوين الجسدي حاضرًا في أبسط انتقالات الشخصية وحركاتها.
وفي ظهوره الأول، يحتجب وجه ميريك خلف غطاء يؤجل لحظة الكشف ويضاعف فضول المحيطين به. وعندما يصل إلى المستشفى، يزيل الغطاء ليظهر بقناع ذي ملامح مسخية، صاغته نادين أشرف ضمن معالجة المكياج. يتولى الأداء الجسدي والصوتي استعادة الإنسان الكامن خلف القناع، بحيث ينتقل اهتمام المتلقي من هيئة التشوه إلى أثرها النفسي والبدني في صاحبها.
ويمتد هذا البناء الفيزيقي إلى الأداء الصوتي؛ فالحروف تخرج متقطعة، محمولة على شهيق ثقيل وزفير مضطرب، حتى يبدو النطق نفسه جهدًا عضليًا. وفي كل جملة يسمع المتلقي مقاومة ميريك للصورة التي حاصرته فيها العيون.
وعلى الضفة المقابلة لهذا الأداء الفردي، تأتي الكوريوغرافيا الجماعية التي صممها هاني فاروق، لتجعل من الكورال كتلة سينوغرافية متحركة داخل الميزانسين. وعبر تشكيلات محسوبة، يعيد أفراد المجموعة بناء الفضاء بأجسادهم، فيصنعون الحشود والجدران والأبواب والممرات، ويتحولون أحيانًا إلى مرايا بشرية تضاعف حركة الشخصيات ودلالتها. ويقوم هذا التشكيل على تضاد إيقاعي بين بطء ميريك العضوي، المحكوم بالانكماش والتعثر، وبين الحركة الميكانيكية المتزامنة للجماعة. ومن هذا التضاد تتجسد مواجهة الجسد الإنساني الحساس لمنظومة اجتماعية صلبة.
وإلى جانب الأجساد، تتحول الكراسي والألواح الخشبية إلى وحدات سينوغرافية مرنة تعيد تشكيل الفضاء من مشهد إلى آخر، وتكثف الإحساس بالضغط. ومن خلال هذا التحول الوظيفي للمكان والإكسسوار، يحضر مفهوم «التشييء» بوصفه المحور الناظم للحكاية. يستثمر مدير السيرك جسد ميريك طلبًا للمال، ويعيد الخطاب الطبي تقديمه بوصفه حالة تخضع للفحص والتصنيف.
ويحمل أداء محمد ناصر في شخصية الطبيب فريدريك تريفيس تناقضًا دراميًا واضحًا؛ فهو يوفر لميريك الرعاية والأمان، ثم يرسم له حدود السلوك المقبول والتعبير المسموح. ومع تطور العلاقة، يكتسب حضور الطبيب بعدًا إنسانيًا يتجاوز وظيفته الطبية، خصوصًا حين يخاطبه ميريك قائلًا: «أنت صديقي الأول». وتمنح العبارة العلاقة ثقلاً عاطفيًا واضحًا، وتكشف حجم العزلة التي عاشتها الشخصية، كما تجعل تريفيس مسؤولًا أخلاقيًا عن الثقة التي وضعها ميريك فيه. ومن خلال هذه الصداقة، يختبر العرض المسافة الدقيقة بين الرعاية والوصاية، وبين الحماية ومنح الإنسان حرية تقرير مصيره.
ويمتد الإقصاء إلى رابطة الأمومة حين تندفع فيرونيا شكري نحو ميريك، محاولة كتم أنفاسه بالشال الأحمر، بعدما تصفه بالمسخ وتفصح عن عجزها عن تقبل هيئته. ثم تنهار وتجري تحت وطأة هذا العجز، فتجمع اللحظة بين قسوة الرفض وهشاشة أم تتهاوى الصورة التي تمنتها لابنها أمام حضوره الحقيقي.
وفي مقابل هذا الرفض، تفتح جوان أوبراين، التي تؤديها تقى محمد، مساحة مغايرة من التواصل الإنساني. وتحمل المصافحة دلالة اعتراف تعيد إلى ميريك صورته كشخص قادر على الحوار والتأمل، بينما تمنح اللقاءات الإيقاع الدرامي هدنة قصيرة من ضغط المجتمع. ويغدو الأدب وسيطًا يفتح أمامه أفقًا إنسانيًا أكثر رحابة، فتنتقل العلاقة من مراقبة اختلافه الجسدي إلى الإصغاء لأفكاره وإدراك حساسيته. ومن خلال هذا الحضور، يختبر العرض قدرة التواصل البسيط على مقاومة الصور الجاهزة التي فرضها المجتمع على ميريك.
وتواكب الموسيقى التي أعدها هانئ عادل هذه التحولات عبر بناء سمعي يتدرج من الصخب الكرنفالي إلى النغمات الوترية الحزينة والهمس. ويؤدي الصمت وظيفة درامية موازية؛ فعندما تنسحب الموسيقى، يبقى تنفس ميريك وحده داخل المجال السمعي، فيتحول إلى إيقاع عضوي يربط الصوت بالاختناق. عندئذ تصبح القاعة شريكة في الإصغاء، ويكتسب الألم حضوره عبر الأذن بقدر حضوره في الصورة.
ويتحول السرير منذ وقت مبكر إلى علامة درامية تحمل نبوءة النهاية. فعندما يخبر ميريك الطبيب بأنه ينام واقفًا أو جالسًا، وأن نومه مستلقيًا على السرير يعني موته، يكتسب السرير دلالة تتجاوز وظيفته اليومية، ويصبح حدًا فاصلًا بين الحياة والرغبة في اختبار ما يعيشه الآخرون بصورة طبيعية. وفي ذروة المسار الدرامي، يستلقي ميريك على ظهره، فتتحقق النبوءة التي مهد لها الحوار، وتغدو وضعية النوم البسيطة فعلًا يقود الجسد إلى نهايته.
وحول السرير، تعيد المجموعة تشكيل الألواح في تكوين جنائزي بطيء، فتنتقل الخامة من صناعة الحصار إلى مرافقة الرحيل. ويتآلف الإيقاع الحركي مع التشكيل الضوئي والبناء الموسيقي في صورة تختصر الصراع بين جسد فرضت عليه طبيعته حدودًا صارمة، وإنسان ظل يتطلع إلى حياة تشبه حياة الآخرين.
ومع كثافة النسق التعبيري، بدت بعض اللوحات محملة بعلامات بصرية وحركية متزامنة، وكان من شأن إبطاء إيقاعها أن يمنح دلالاتها مساحة أوضح للاستقرار والتأمل. ويظل الاقتصاد السينوغرافي من أبرز سمات التجربة؛ إذ تؤسس الأجساد والكراسي والألواح والسرير والضوء عالمًا كاملًا، وتكتسب الوسائل المحدودة ثراءها من التحول الوظيفي والتراكم الرمزي.
وبعد رحيل ميريك، يعود الطبيب تريفيس إلى التكوين الذي افتتح به العرض؛ داخل بقعة ضوء علوية أكثر سطوعًا، ويظل السرير حاضرًا داخل المجال البصري. وتتكرر ومضات البرق ودوي الرعد، ثم ينضم إليهما صوت المطر في الختام، فتكتسب الصورة دلالة أكثر ثقلًا مما حملته في البداية. فالطبيب الذي دخل الحكاية راصدًا لحالة ميريك يعود محملًا بأثر الصداقة والفقد والأسئلة التي تركتها التجربة في ضميره.
وبهذا التكرار، يرسم العرض بنية دائرية تصل الاستهلال بالختام، وتحول البقعة الضوئية من مساحة لتقديم الحكاية إلى فضاء للمساءلة الأخلاقية. هكذا يصبح جوزيف ميريك مرآة تكشف وجوه من أحاطوا به، وتغدو حكايته اختبارًا للحرية والقبول وحدود الشفقة. وبين دوي الرعد وصوت المطر وأنفاس الجسد المتعثرة، يظهر التشوه في صورتين متقابلتين؛ جسد حمل أثره ظاهرًا، ومجتمع أخفى قسوته خلف أناقته.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك