من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الموت بين الإنسان وصناعة الوحش.. قراءة في فلسفة الوجود والماهية في عرض “الوحش”

بقلم: محمد سقراط
الموت بين الإنسان وصناعة الوحش.. قراءة في فلسفة الوجود والماهية في عرض “الوحش”



المتعة بوابة للتحليل الجمالي

تتأسس القوة الجمالية في العرض المسرحي حين تتضافر وسائطه التعبيرية - نصاً، وإخراجا وأداءً، ورؤية سينوغرافيا شاملة- لتكوين فعل مسرحي متكامل لا يكتفي بإدهاش المتلقي حسياً أو دغدغة عواطفه، بل يشحذ وعيه الفكري ويستفز محاكمته العقلية. ومن هذا المنطلق يقدم عرض “الوحش” تجربة مسرحية تسعى للتحرر من جفاف الطرح الأكاديمي، لصالح تجربة بصرية شعورية وفكرية تتخذ من "المتعة الفنية" مدخلاً أساسياً لتفكيك أزمات الوجود والماهية وإعادة طرْحِها على خشبة المسرح.

وحين نقف أمام عمل يمتلك هذا القدر من التناغم، نجد أنفسنا أمام تحدٍّ أسلوبي؛ فالمتعة الفنية ليست بديلاً عن التحليل النقدي الجاد، بل هي المادة الخام والمنطلق لتفكيك مفرداتها وكشف أسباب تشكلها. فالإدهاش على الخشبة لا يتكون مصادفة، بل هو ثمرة تضافر منهجي واعٍ لأدوات الفضاء المسرحي، وهو ما تجلى في هذه التجربة التي صاغها أبناء المعهد العالي للفنون المسرحية.


الدراماتورجيا وتفكيك صراع الحق الإلهي والوجود الانساني

منذ اللحظات الأولى لافتتاح العرض، يضعنا المكون الدرامي أمام مساحة تأويلية زاخرة، تضمر في بنيتها المركبة تلك المقولة الخالدة للمبدع صلاح عبد الصبور في مسرحيته الشهيرة “مسافر ليل” على لسان قاطع التذاكر: “أنت قتلت الله وسرقت بطاقته الشخصية”.

ففي الدراماتورجيا الذي صاغها الفنان محمد عادل النجار عن رواية “فرانكنشتاين” للكاتبة البريطانية “ماري شيلي”، لا نكون مجرد مشاهدين لإعادة إنتاج حكاية الرعب الكلاسيكية عن المخلوق المشوه والدكتور المعتوه، بل نجد أنفسنا في مواجهة طرح فلسفي يعيد انتاج تلك المساءلة الوجودية التي شغلَت الفكر الإنساني:

هل الإنسانية قيمة غائية ذاتية يكتسبها الكائن بسعيه الصادق ونقاء الجوهر بغض النظر عن الماهية؟

أم أن الماهية محددا أساسيا لما يُعد "بشرياً" يستحق الحياة وما يُعد "وحشاً" يوجب النبذ والتدمير؟

وهل الوحشية فطرية تخلق مع الميلاد والبعث، أم أننا من نصنع الوحوش؟

لقد استطاع المعدّ والمخرج أن يطرح كل هذه التساؤلات الشائكة داخل فضاء الخشبة في زمن مكثف امتد إلى ساعة ونصف الساعة، دون الوقوع في فخ الإسهاب الفلسفي التنظيري أو الاختزال المخل بالمعنى، مما جعل البُعد الفكري شريكاً أصيلاً للمتعة البصرية.

ورغم نجاح النص في الحفاظ على حرارة الصراع، إلا أن هذا التكثيف الزمني الصارم لم يخلُ من تحدٍّ دراماتورجي واضح يستدعي الوقوف. تمثلت أبرز ثغرات البناء في القفزة الدرامية السريعة بين مشهد بعث "المخلوق" على يد الدكتور “فيكتور فرانكنشتاين” واكتشافه المبدئي لذاته، وبين مشهد هروبه السريع إلى غمار الحياة وتعرفه على الفتاة “ريتا”.

هذا الممر الدرامي الخاطف - الذي اعتمد المخرج في قطعه على متوالية حركية بسيطة ومقطع صوتي خفي في الخلفية - لم يمنح العرض المساحة الزمنية الكافية لترسيخ فعل "اضطهاد البشر" وتراكم طاقة النفور والرفض المجتمعي تجاه هذا الكائن الغريب. إن التحول النفسي للوحش من كائن نقي يسعى للقبول الإنساني إلى كائن ينتقم من مجتمع رفضه، يتطلب بناءً تراكمياً يُبرر حجم المأساة؛ وقد جاء هذا الانتقال السريع ليمثل قفزة في إيقاع الحدث، وإن نجح الأداء التمثيلي اللاحق في تعويض هذا النقص الزمنيّ ببراعة تشخيصية لافتة.


بلاغة السينوغرافيا.. بين بساطة التشكيل وحرية الفضاء

وعلى مستوى الرؤية السينوغرافية، اتسم العرض بقدرته على خلق بيئة بصرية تعتمد على البساطة العميقة، وتتجنب الإبهار الزائف الذي لا يخدم الدلالة. فقد جاء الديكور، من تصميم ياسمين هاني، مبتعدًا عن التكلف والواقعية التسجيلية، مع توظيف المستويات والتقسيم المسرحي بذكاء هندسي يخدم حركة الممثل، ويمنح الصورة حريتها البصرية من دون فرض نمذجة مكانية محددة. وبدلًا من ذلك، تشكلت فضاءات مفتوحة سمحت بتقسيم الخشبة إلى مناطق شعورية وفكرية متباينة، مثل مختبر الخلق، وبيئة الأمان، والشارع بوصفه مساحة متأرجحة بين القهر والحرية، وهو ما منح المتلقي حرية الإبحار بخياله وتشكيل الجغرافيا النفسية للأحداث.

وشكلت خريطة الإضاءة، من تصميم أحمد طارق، أحد أبرز وسائط التعبير في العرض؛ إذ ابتعدت عن المبالغات الفجة، واعتمدت على التباين بين الظل والنور في رسم الصراعات النفسية والعقلية لشخصيات المسرحية. وأسهمت البؤر الضوئية المركزية في إبراز لحظات البعث والتحول الماورائي، كما أكملت تشكيل المكان من دون الحاجة إلى إكسسوارات ضخمة، وعززت الحالة الشعورية لدى المتلقي من غير توجيه قسري لاستجابته.

أما الموسيقى والشريط الصوتي، من تأليف الطيب سلامة، فقد تسللا إلى نفوس الحاضرين برصانة وخفة، فلم يأتيا بوصفهما خلفية توضيحية ميلودرامية، بل شكّلا غلافًا تعبيريًا احتوى المشهد السينوغرافي بأكمله. وجمعت الصياغة الموسيقية بين النعومة والقوة، مؤكدة الاندماج بين العالم المتخيل على الخشبة وعالم المتلقي المشدوه.

وفيما يتعلق بالمكياج والملابس، من تصميم نادين أشرف وأميرة صابر، فقد تميز المكياج بقدرته على خلق وحش بصري يبتعد عن الهزلية والمبالغة المفرطة، مع التركيز على إبراز التشوه الداخلي والنفسي للإنسان من خلال ظلال وتفاصيل دقيقة. وجاءت الملابس بسيطة ومنمقة وتعبيرية، متوافقة مع العصر الافتراضي للعرض، كما خدمت سهولة حركة الممثلين خلال الأداء الجسدي المجهد.


الأداء التمثيلي بين المنهجية الأكاديمية وشغف الموهبة

يبقى الممثل هو أساس العملية المسرحية، وبدونه تتهاوى بقية المفردات. وفي عرض “الوحش”، تجلت القيمة الحقيقية للبحث الأكاديمي حين تتحول المناهج النظرية إلى طاقة حية تنبض على الخشبة.

تتبدى جراءة المخرج في توظيفه الواعي اركيزة أنماط السلوك الحيواني لمنهج “البايوميكانيك” لـ "مايرهولد"، وهو المنهج الذي يعتمد على تدريبات شاقة للسيطرة على الجسد واعتباره آلة حركية دقيقة توازن بين انفعالات "الشد والارتخاء".

وقد أثبت الفنان سعيد سالمان، في دور المخلوق، تمكنًا لافتًا من أدواته الجسدية والصوتية، عبر بناء أدائي متدرج واكب تحولات الشخصية النفسية والإنسانية. ففي مرحلة البعث الأولى، اعتمد على التشويش الحركي والتقطع في السلوك الجسدي، مجسدًا عجز المخلوق عن السيطرة على أطرافه ولغة جسده، بما عكس حالة الاغتراب والانفصال عن العالم المحيط به.

ومع تطور الشخصية وشروعها في اكتساب الوعي واللغة والشعور بالانتماء، انخفضت حدة التوتر الحركي تدريجيًا، وحلت محلها حركة أكثر انسجامًا واتزانًا، بما يتوافق مع نمو إدراكها الإنساني واتساع قدرتها على التواصل مع الآخرين.

أما في مرحلة الانتكاس والرفض، ومع تعمق وعي المخلوق بقسوة العالم واستحالة اندماجه الكامل فيه، فقد عادت التشنجات الجسدية والانكسارات الحركية بصورة أشد حدة وفجيعة، لتجسد الصدمة النفسية التي تعرض لها، وانحسار أمله في القبول الإنساني.


وفي المقابل، شكل الأداء التلقائي للفنان عبد الفتاح الدربكي (في دور “دي لاسي” الأب الأعمى) نقطة توازن أسلوبي بالغة الروعة؛ إذ استطاع عبر مهارة لغوية متدفقة توظيف اللغة العربية الفصحى لخلق كوميديا راقية وهادئة تنبع من المفارقة اللفظية دون ابتذال. وقد جسد أداؤه الصراع الإنساني المركب بين المعرفة والتجاهل، وبين أن تكون طيباً بفطرتك أو أن تُجبر على تلك الطيبة بفعل العجز.

كما استطاع باقي أفراد العرض - مصطفى رأفت (دكتور فرانكنشتاين)، نيللي الشرقاوي (ريتا)، أحمد الرمادي (المحقق)، وعاليا هاشم (مارجريت) - تجسيد الصراعات الفلسفية الإنسانية بين الضعف الاستسلامي ونزعة السيطرة، ورغبة التحدي أمام المجهول الإلهي والقدر، بصدق أدائي ومسئولية منهجية لم تتخلَ عن حرارة الإحساس لحظة واحدة.


إن عرض “الوحش” لا يستمد قيمته فقط من إتقان صناعه لأدواتهم التقنية من إضاءة وديكور وتمثيل، بل من قدرته على تحقيق مفهوم "التطهير المسرحي" بمفهومه الأرسطي الحديث؛ حيث يخرج المتلقي من القاعة محمولاً بمتعة حسية وفكرية تلازمه طويلاً.

تكمن أهمية هذه التجربة المسرحية في كونها نموذجاً حياً يسقط الفكرة الشائعة بأن الأكاديمية المسرحية تصيب الفنان بالجفاف أو التثليج التعبيري. لقد أثبت هذا العمل أن العلم والمنهجية حين يمتزجان بالشغف والصدق الوجداني، ينتجان فناً يسلب الألباب ويحترم عقل المشاهد. إنه عرض يضعنا جميعاً أمام مرآة ذواتنا ويسألنا في صمت: من منا هو الإنسان.. ومن منا هو الوحش الحقيقي؟

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10225
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.