من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الخِصم مرآة النفس.. على خشبة نظرية الألعاب

بقلم: محمد فرحات
الخِصم مرآة النفس.. على خشبة نظرية الألعاب


حظي العرض المسرحي القصير (نظرية الألعاب) الذي أخرجه محمد فريد، وقُدم على مسرح ليسيه الحرية ضمن فعاليات مهرجان قسم المسرح الدولي بجامعة الإسكندرية، تفاعلًا ملحوظًا من الجمهور؛ غير أن قيمة هذا العرض لم تتوقف عند هذا التفاعل فقط؛ فقد امتدت عبر محاولة بناء خطاب مسرحي استثمر البنيتين النفسية والرمزية ليكشف أحد صراعات الإنسان مع ذاته أثناء وصوله لأحلامه طارحًا تساؤلات حول الاستحقاق والعدالة والوساطة.

وانطلق عرض (نظرية الألعاب) من فرضية درامية تبدو مألوفة في ظاهرها؛ إذ وضع شخصين في منافسة على وظيفة أمام مكتب للموارد البشرية في نصفين متوازيين في إشارة بصرية توحي بالازدواجية والانقسام، لكنه قلَب هذه الفرضية إلى سؤال وجودي حول الإنسان وصراعه مع ذاته؛ فما بدا في البداية مجرد منافسة بين شابين متقدمين للوظيفة نفسها كشف تدريجيًا صراعًا داخليًا وصار الخصم امتدادًا نفسيًا للبطل لا شخصية مستقلة.

واعتمد النص الذي ألفه بيتر سيعَال ودراماتورج محمد عبدالكريم على مفارقة درامية إذ أظهر أن الحوار بين شخصيتين قبل أن ندرك أنه يدور داخل شخصية واحدة ومنح هذا التحول النص بعدًا نفسيًا وإن كانت بعض الحوارات مباشرة حيث انتقل لمخاطبة الجمهور بشكل مباشر؛ وجمل مباشرة مثل: 

»المكانة ليست لمن يستحق بل لمن يفهم اللعبة«. 

وبنى النص صراعه على حوار بين شخصيتين تختلفان في الطباع فالأولى هادئة ومتزنة، والثانية صاخبة ومندفعة؛ ولكن هذا الاختلاف لم يستمر؛ حيث تطورت الشخصيتان للنقيض، ولم تكن الشخصية الثانية سوى إسقاط ذهني للهواجس الداخلية التي أعادت تشكيل الواقع داخل عقل البطل.

وينتقل العرض من الواقعية إلى المسرح النفسي وهو يعيد عرض ما سبق كله بوصفه حوارًا داخليًا؛ فناقش قضية شديدة الحضور في واقعنا عبر رؤية إخراجية قدمها محمد فريد بانسجام مع هذا الانقسام النفسي؛ حيث قسم الفضاء المسرحي بتوازن يظهر حالة الانشطار النفسي للبطل المتقدم للوظيفة دون أن يفرط في العناصر البصرية، مما حمل الممثلينِ عبء إيصال المعنى، كما ظهرت الحركة المسرحية في خطوط متقدمة ومتأخرة في شد وجذب بين الشخصين بينما يحاول البطل إقناع خصمه بمغريات بسيطة ليتخلى عن حلمه وينسحب من التقدم للوظيفة.

وقد ظهر الأداء التمثيلي الذي قدمه محمود مجيد ومحمد فريد وعبدالرحمن المرسي أداءً قويًا قائمًا على التناقض بين الشخصيتين المنضبطة والمنفلتة قبل أن يتبدل هذا التناقص تدريحيًا واتسم أداؤهما بالتأرجح بين الانفعال الشديد والهدوء وهو ما أظهر طبيعة الشخصية المضطربة وإن احتاجت بعض اللحظات إلى مزيد من الاقتصاد في التعبير حتى لا يطغى الانفعال على صدق التعبير.

ومالت سينوغرافيا محمد فريد إلى الفراغ؛ حيث اقتصدت في العناصر فالخشبة كانت شبه فارغة إلا من باب مكتب الموارد البشرية وكرسي الموظفين المتقدمين للوظيفة وهو اختيار خدم البعد النفسي للعرض فقد ترك مساحة لخيال المتلقي؛ كما أدى تقسيم المسرح لنصفين متوازيين وظيفة دلالية فلم يكن مجرد حلًا بصريًا ولكنه جسد انقسام الشخصية بين الواقع والوهم.

واتسم ديكور العرض بالبساطة مع حضور عناصر ذات طابع دلالي كما أظهر حيادًا زمنيًا لكنه لم يستثمر بالكامل في إنتاج دلالات إضافية وبقى في حدود أداء وظيفته الأساسية. كما رافقت موسيقى هاني مجدي التحولات النفسية للشخصية إلا أن ارتفاعها في بعض اللحظات غطى على الحوار، وواكبت إضاءة أحمد الفرن الانتقال بين الواقع والتخيل فقد ظهرت كعنصر مساعد في بناء الجو النفسي وقد أدت وظيفة محدودة دون أن تتحول إلى عنصر مستقل واسع الدلالة.

واعتمد العرض على أكثر من رمز مثل انقسام خشبة المسرح بوصفه انقسامًا للذات، وباب مكتب الموارد البشرية باعتباره فضاء خفيًا للاختبار والمستقبل، والشخصية المتخيلة كتجسيد للصراع الداخلي، والواسطة في النهاية كهزيمة لفكرة الاستحقاق.

وقد خرج العرض من الإيهام المسرحي؛ حيث وجه أسئلة مباشرة للجمهور حول النجاح والاستحقاق عبر إشراك الجمهور في القضية، في انتقال من الرمزية للتصريح المباشر، وقد يعد هذا خيارًا أقل تأثيرًا من ترك الجمهور يستنتج الفكرة بنفسه.

وفي مجمله نجح عرض (نظرية الألعاب) في تحويل موقف يومي بسيط إلى تجربة مسرحية لامست أسئلة الهوية إذ أظهر أن أعقد الألعاب تلك التي نخوضها مع أنفسنا وليست التي نخوضها مع الآخرين، فالخصم الشرس للبطل لم يكن إلا الصورة التي عكستها مرآة نفسه. 

وكما تبقى كل تجربة مسرحية ثمرة شغف وجهد وتعاون جماعي؛ فـ (نظرية الألعاب) ثمرة ناضجة يستحق صناعها تحية تقدير على جرأتهم في خوض تجربة تلامس قضايا الإنسان المعاصر.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10226
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.