الشاعر حين يُغيّبه الموت
لعل من البداهة القول: إن كل إنسان نهايته الرحيل عن هذه الدنيا، سواء أكان شاعرًا أم إنسانًا عاديًّا. إنه يولد ثم يذوي، ثم ينتهي جسده الى التراب. يعرف الانسان هذه الحقيقة، ولكنه لا يعرف متى تحدث، ولا يستطيع منع حدوثها أو تأجيله. وكلما تقدم به السن يدرك اقترابه من النهاية، ويعلم بأنه في النهاية مهزوم لا محالة.
إذا كان الإنسان العادي يستسلم للموت، ويرى فيه نهاية طبيعية للحياة فإن الشاعر الحقيقي ينظر إليه بوصفه تجربة إنسانية، لا مفر من مواجهتها، ليس بالتأمل أو الهروب أو الانتحار، بل بالشعر الذي هو وسيلة الشاعر للبقاء ومواجهة الموت.
يدرك الشاعر ذلك؛ لهذا ينكب على إبداع الشعر، وإذا جفت القريحة، ولم يعد فادرًا على الإبداع فإنه يحس بدنو أجله؛ فتوقفه عن قول الشعر يعني ضعفه في مواجهة الموت، ومقاومة خربشات الزمن؛ فليس له غير العودة إلى قراءة ما أبدعه من شعر ليعيش الحياة من جديد: يراجع ماضيه، وأيام لهوه وشبابه، ويمر بالشوارع التي سار فيها، ويحيا في الأماكن التي سكنها. وفي أحيان كثيره يقف عند قصائد بعينها، تلك التي تحمل ذكريات عزيزة، فيستعيدها بلذة، ويخرج من تلك المعايشة الشعرية، في أحسن حال وأهدأ بال.
لكل رحلة نهاية، فيسقط الشاعر أخيرًا ويغيبه الموت. لكن يظل شعره حيًّا تعبق في قصائده تلك الحياة التي عايشها، فإذا تناول قارئ تلك القصائد فلا يتعامل مع مبدعها بأنه من الراحلين؛ فهو يحاوره، ويستمع إليه، ويعيش تجربته؛ لقد سد النص مسد صاحبة وناب عنه، فكانت الأماكن، التي عاش فيها الشاعر متخيلة أو حقيقية ماثلة في النص، وكذلك الأشخاص الذين عرفهم الشاعر في حياته يراهم القارئ يتحركون بين الكلمات والقوافي والأوزان. لم يتغير شيء غير أن الفارس ابتعد عن القصيدة، أو صار خارج النص بتعبير بعض النقاد.
إن أي قارئ يستطيع من خلال النص الشعري أن يخطف الشاعر من قبضة الزمن، ويصطحبه في جولة فكرية، يجلس معه، يحس بأنفاسه، ويطرب لموسيقاه، ويتلذذ بمعانيه، ولا ذكر للموت هنا، فإن موت الشاعر لا يوقف الرحلة، فهي مستمرة بوجود الشعر، الذي لا ينطبق عليه قانون الموت.
إن في بقاء الشعر بعد رحيل صاحبه دلالة على صموده في وجه الزمن، بل إن النص الشعري يغدو أشد جمالًا وسحرًا، وأكثر اكتمالًا بحضور صاحبه المتخيل؛ فما الخيال إلا تكثيف للواقع، وحضور أعمق للحقيقة الشعرية.
هكذا لا يستطيع الشاعر ان ينتصر على الموت، لكنه يستطيع بشعره أن يتجاوزه ليصل إلى الخلود، الذي حلم بالوصول إليه جلجامش؛ فالشعر مثل غيره من فنون الأدب والفن يقاوم النسيان، ويبقى في حوار دائم مع القراء، ومن ثم مع الانسانية كلها. ففي كل قراءه لأي نص شعري ولادة، واسترجاع لصاحبه في صورة جديدة.
لا شك أن موت الشاعر الجسدي محزن، وباعث للألم والعذاب؛ فلم نعد نرى هذا الشاعر في الشوارع التي كان يسير فيها بزهو وجمال، ولم نعد نلتقيه في المقاهي التي كان يتردد إليها، أو في المنتديات والملتقيات التي كانت تصدح بشعره، لم نعد نجلس مع ذلك الإنسان المبدع الذي كان يبتسم ويضحك ويحلم، ويحب ويكره، لكن ما يخفف من الألم والعذاب وجود من يحل مكانه، بل من يسترجعه من وراء الغيب ولا يكون ذلك إلا بقراءة شعره.
ان بقاء أثر الشاعر بعد موته يجعله أكثر خلودًا من أباطرة التاريخ والملوك والأمراء وقادة الحروب، فهؤلاء غابوا بموتهم، ولم يتبق في زوايا التاريخ ما يشير إليهم غير كلمات جامدة، وأسطر بائسة معزولة. أما الشعراء والفنانون فباقون، وسر خلودهم ما أنجزوه من ادب عظيم، ولا يعيش الأدب العظيم بالطريقة التي يعيش فيها الانسان، يولد ويموت، فهو باق ما بقيت الحياة، ويعود مبدعه إلى الحياة من وقت لآخر، فما زال المتنبي يطل علينا من وراء الغيب، ونحن نقرأ قصائده.
اذن ما علينا إذا اشتد بنا الحنين إلى رؤية شاعر في عصر من العصور، أو استبد بنا الشوق لرؤية شاعر عاصرناه، أو رغبنا في التعرف إلى شاعر لم نعرفه من قبل فليس من وسيلة إلا الاقتراب من عالمه الشعري وقراءته؛ ففي ذلك بعث له وتجدد لعمله. إن الشعر مثل غيره من الفنون هو الوحيد الذي يخفف من وقع الموت، ويعين على مواجهته، ويقود صاحبه إلى عالم الخلود.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك