من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

اليقين في مصيدة الظنون: قراءة نقدية في مسرحية "الشك"

كتب – حازم الوكيل
اليقين في مصيدة الظنون: قراءة نقدية في مسرحية



ينطلق عرض "الشك"، المأخوذ عن نص الكاتب الأمريكي جون باتريك شانلي، من منطقة مسرحية شائكة تقع بين صخرة اليقين الأخلاقي وسيولة الريبة والظن. لا يميل العرض إلى تقديم إجابات حاسمة أو جاهزة للمتلقي، بل يضعه في مواجهة صراع فكري ونفسي حاد تتداخل فيه الشبهة مع الادعاء، والحقيقة الملموسة مع التخمين الذاتي والنزوع الشخصي.

وفي معالجته المسرحية للعمل ضمن عروض ثالث أيام فعاليات مهرجان قسم المسرح الدولي، أمس الثلاثاء، اتجه المخرج والدراماتورج أحمد حتحوت إلى قراءة هذا الصراع الممتد عبر الاتكاء على سينوغرافيا تعبيرية رمزية وأداء تمثيلي يعتمد في جوهره على محاورة الذات وتفكيك الصراع الداخلي للشخصيات، متجنباً الصراخ والسطحية.

تبدأ خطة المعالجة الدراماتورجية من خطبة افتتاحية يلقيها الأب فلين حول الإعصار والرباط الإنساني، وهي الخطبة التي تتناول الشك بوصفه تجربة إنسانية جامعة ورابطاً يتشكل من رحم العزلة والضغوط النفسية.

ويتحرك العرض من خلال هذه البداية في خطين دراميين متوازيين: الأول تمثله سلطة المديرة المتمسكة باليقين والمدافعة عن حزم المؤسسة وهيبتها، والثاني يمثله الراعي الذي يقدم نفسه بنبرة أكثر قرباً ولطفاً من الطلاب في حياتهم اليومية.

وتنساب الرؤية الإخراجية لتبين كيف يتحول الشك من مجرد فكرة ذهنية مجردة إلى دافع سلوكي محرك يغير طبيعة العلاقات؛ حيث تتقاطع الظنون الشخصية مع غياب الأدلة المباشرة، ليتشكل الحوار المسرحي بأكمله في المساحة الفاصلة والحائرة بين الاتهام والادعاء والنفي.

على خشبة مسرح ليسيه الحرية، اعتمد العرض على توزيع رأسي يضم مستويين طابقيين للربط بين الانتقالات المشهدية وحركة الممثلين، وهو ما عكس بصرياً الفجوة القائمة بين السلطة الإدارية العليا والأنشطة والعمل اليومي في المستويات الأخرى.

وتجلت الرؤية السينوغرافية بوضوح في تجريد الفراغ المسرحي من المباشرة عبر قطع ورموز تعبيرية معلقة في الهواء؛ تمثلت في كف يد مبسوطة، وأصابع مشيرة تتجه نحو الاتهام والشبهة، وطائر يشبه الغراب يرفرف بنذير الريبة والشؤم. تجاورت هذه المعلقات التعبيرية مع توزيع الإضاءة البؤرية والمؤثرات الصوتية التي شملت أصوات الرياح المتصاعدة والهمهمات المُريبة لتحديد الملامح النفسية الخانقة للمكان، بينما اتسمت مشاهد المواجهات المباشرة داخل الغرف المغلقة بكثافة حوارية استغلت ضيق المساحة لإبراز التوتر المتصاعد وضغط الموقف على أطراف الصراع.

ارتكز البناء التمثيلي للعرض على حركة أربعة أبطال تحركوا بوعي داخل مجريات هذا الصراع المركب؛ حيث جسدت الفنانة آية أبو زيد شخصية المديرة بنبرة يغلب عليها الإصرار والصرامة للحفاظ على انضباط المؤسسة، متخذة من انطباعاتها الشخصية وحدسها الذاتي مساراً أساسياً لمواجهة الموقف وفرض رؤيتها. وفي المقابل، قدم الفنان حسن خالد شخصية الأب بأسلوب متوازن يتنقل بمرونة بين الأداء الخطابي المتمكن، والموقف الدفاعي المحاصر أثناء الحوارات المغلقة داخل الدير. أما الفنانة ماري جرجس في دور المُدرسة الشابة، فقد عكس أداؤها موقع الشخصية القريبة من حيرة المتلقي وضياعه بين الالتزام بتعليمات الإدارة وتجنب التواطؤ مع إساءة الظن.

وجاء المشهد المفصلي الذي جمع بين المديرة وأم الفتاة الصغيرة، والتي جسدتها الفنانة نورا عصمت، ليشكل نقطة تحول حاسمة في مسار الصراع الدرامي؛ إذ انتقل الحوار ببراعة من إطاره النظري والتجريدي إلى طرح واقعي حاد يرتبط بظروف الطالبة ومستقبلها الدراسي والاجتماعي. وأظهر هذا اللقاء تباين الأولويات الحاد بين المنطق الإداري والأخلاقي للمؤسسة، والمنطق الأسري البرجماتي الذي يضع مصلحة الطالبة وحمايتها فوق أي افتراضات أو تحقيقات داخلية، مما أوجد حالة من التراجع في موقف المديرة الصلب وشكك في جدوى حسم الأمور بالأساليب التقليدية.

ينتهي العرض بمشهد ختامي تنجح فيه المديرة شكلياً في تغليب موقفها الإداري وإبعاد الأب عن المدرسة، غير أنها تصرح في لحظتها الأخيرة بإحساس دافين بالانكسار ووجود الشك الذي بات ينهك بداخلها. استطاع العرض عبر صياغته الدرامية المتماسكة، والأداء التمثيلي المتزن للطاقم، وتوظيف العناصر البصرية والصوتية، أن يقدم قراءة مسرحية واعية، تطرح تساؤلاً مفتوحاً للجمهور حول طبيعة اليقين والشك ومدى قدرة الإنسان على الفصل بينهما في المواقف الإنسانية الشائكة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10249
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.