انحسار مياه النيل في السودان يثير مخاوف مصرية.. ومصادر رسمية تنفي وجود أزمة حقيقية
مشاهد غير مسبوقة لتراجع مناسيب النهر تعيد ملف سد النهضة إلى الواجهة، بينما تتحفظ القاهرة والخرطوم على الحديث عن "جفاف" وشيك
شهد نهر النيل في عدد من المناطق السودانية خلال الأسبوعين الماضيين انحسارًا لافتًا في مناسيبه، انكشفت على إثره مساحات واسعة من ضفاف النهر وظهرت تكوينات رملية في قلب مجراه، في مشهد وصفه مزارعون ومواطنون سودانيون بأن المنطقة لم تشهد مثيلًا له خلال السنوات الأخيرة.
الظاهرة، التي وثقتها مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحولت خلال أيام من مشهد لافت إلى قضية تمس الأمن المائي في السودان، وأعادت فتح ملف سد النهضة الإثيوبي وسط تساؤلات مصرية قلقة.
بيانات رسمية سودانية: انخفاض مؤقت وليس أزمة شاملة
أعلنت وزارة الزراعة والري السودانية، في بيان صادر عن الإدارة العامة للخزانات، أن الوارد اليومي إلى بحيرة خزان الروصيرص تراجع خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو 2026 من 207 ملايين متر مكعب يوميًا إلى 129 مليون متر مكعب، أي بنقص بلغ 76 مليون متر مكعب.
وفسرت الوزارة هذا التراجع إلى انحسار مؤقت في تصريف سد النهضة الإثيوبي، إلى جانب تأثير عمليات ضخ محطات المياه في العاصمة الخرطوم.

وطبقا البيان، فقد انعكس هذا الانخفاض على التصريف خلف خزان الروصيرص بمقدار 100 مليون متر مكعب يوميًا، وخلف خزان سنار بنحو 82 مليون متر مكعب يوميًا خلال الفترة الممتدة من 7 إلى 10 يوليو.
كما سجلت عدة محطات رئيسية على النهر هبوطًا مؤقتًا في المناسيب، إذ تراجع منسوب الروصيرص بمقدار 1.50 متر، وود العيس 1.70 متر، وود مدني 1.60 متر، والخرطوم 1.08 متر، والحلفايا 94 سنتيمترًا، وشندي 54 سنتيمترًا.
ورغم حجم الأرقام، شددت الوزارة على أن الصورة العامة لا تعكس أزمة مائية حقيقية، وأشارت إلى أن النيل الأبيض يسجل إيرادات أعلى من معدلاته المعتادة، وأكدت في بيان لاحق أن الموقف المائي العام لا يزال مستقرًا ويخضع لمتابعة مستمرة.
تعطل محطات مياه الشرب في الخرطوم
كانت محطات مياه الشرب من أوائل القطاعات المتأثرة بالانحسار، حيث تراجع مستوى المياه في ولاية الخرطوم إلى درجة ابتعاد مجرى النهر عن مداخل المضخات في بعض المحطات، مما أدى إلى توقف محطات رئيسية وانخفاض إنتاج محطات أخرى، وانعكس على إمدادات المياه في عدد من الأحياء المكتظة بالسكان.
وأفادت تقارير بأن محطة مياه في منطقة الصالحة جنوب أم درمان اضطرت لتعليق عملياتها بعدما تجاوزت مضخات السحب الخاصة بها منسوب المياه المنخفض.
علاقة الأزمة بسد النهضة
فتحت الظاهرة نقاشًا واسعًا حول علاقتها بتشغيل سد النهضة الإثيوبي، إذ أثارت مقاطع الفيديو المتداولة تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الظاهرة مرتبطة بطريقة تشغيل السد أو بعوامل مائية وموسمية أخرى، علمًا بأنه حتى وقت كتابة هذا التقرير لم تصدر بيانات رسمية سودانية تؤكد وجود أزمة مائية أو تحدد أسباب الانخفاض بشكل قاطع بمعزل عن الرواية الرسمية التي تربطه بتراجع مؤقت في تصريف السد.

وحذّر الخبير الدولي أحمد المفتي، المستشار السابق بوزارة الري السودانية، من أن الانحسار الحالي لمياه النيل في السودان يمثل ظاهرة "غير مسبوقة"، وأرجع ذلك إلى تأثير سد النهضة وغياب التنسيق بين الأطراف المعنية.
وأكد المفتي أن تشغيل خزان تتجاوز سعته 60 مليار متر مكعب بصورة أحادية قد يسبب اضطرابات تتراوح بين انحسار المياه والفيضانات المفاجئة، مشددًا على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد ويعالج قضايا الأمن المائي بين مصر والسودان وإثيوبيا.
سابقة 2020.. حين هبط منسوب الخرطوم 8 أمتار في يومين
الظاهرة ليست فريدة من نوعها؛ ففي يوليو 2020 وثّقت دراسة نشرتها دورية "Water International" لباحثين سودانيين حدوث أزمة مماثلة، حين انخفض التدفق المائي عند الحدود السودانية الإثيوبية من نحو 220 مليون متر مكعب يوميًا إلى 120 مليون متر مكعب يوميًا، أي بنسبة تقارب 45% خلال فترة قصيرة جدًا، مما تسبب في أزمة مياه شرب مباشرة في الخرطوم، حيث هبط منسوب النيل في العاصمة بنحو 8 أمتار خلال يومين فقط، وتوقفت محطات مياه الشرب التي تعتمد على السحب المباشر من النهر.
و نجحت مصر بمساعدة مخزونها المائي في السد العالي في تجاوز التأثيرات السلبية للأزمة
القاهرة: لا توجد أزمة مياه.. والصورة الكاملة تتضح نهاية أغسطس
في مصر، أثارت المشاهد المتداولة قلقًا واسعًا، وعبّر وزير الري الأسبق محمد نصر الدين علام عن مخاوفه ، وحذر من أن علامات انخفاض فيضان هذا العام بدأت تظهر في السودان، مما يتطلب تنسيقًا وتعاونًا بين إثيوبيا والسودان ومصر.
في المقابل، نفى مسؤولون بوزارة الموارد المائية والري المصرية وجود أي أزمة. وقال المهندس سامح عبد الرحمن، نائب رئيس قطاع مياه النيل بالوزارة، إن مصر لا تواجه أزمة في المياه، نافيًا الحديث عن تعرض النيل الأزرق لموجة جفاف، وأوضح أن الصورة الكاملة لموسم الفيضان تتضح بنهاية أغسطس، في ظل المتابعة اليومية للتغيرات المناخية.
كما أكد وزير الموارد المائية والري هاني سويلم أن لجنة إيراد النيل المكونة من كبار الخبراء تواصل عملها في تحليل التنبؤات وحساب التدفقات المائية المرتقبة.
وعُقد اجتماع للجنة الدائمة لتنظيم تدفقات النيل برئاسة سويلم لمراجعة الوضع، حيث أشار مسؤول مصري إلى أن التراجع يعود إلى عوامل عدة من بينها انخفاض التدفقات في الرافدين، وزيادة عمليات سحب المياه للري، وتخزين وتشغيل سد النهضة، محذرًا في الوقت ذاته من أن انحسار المياه لا يشير بحد ذاته إلى جفاف شامل، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من فيضان النيل الأزرق السنوي يصل خلال النصف الثاني من يوليو وأوائل أغسطس.
البعد السياسي: الملف يعود إلى طاولة واشنطن
يأتي هذا التطور بعد أسابيع من تأكيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال لقائه نظيره الأمريكي دونالد ترامب في يونيو الماضي، على الأهمية القصوى لقضية سد النهضة باعتبارها قضية أمن قومي لمصر، حيث أبدى ترامب حينها تفهمه لكل الشواغل المصرية في هذا الصدد، وتعهد بإيلاء الملف الأولوية القصوى لتسويته بشكل عادل.
تؤكد الجهات الرسمية في الخرطوم والقاهرة أن ما حدث هو تراجع مؤقت مرتبط بتشغيل سد النهضة وعوامل موسمية، وليس مؤشرًا على أزمة جفاف شاملة، إلى أن تتضح الصورة الكاملة لموسم الفيضان مع نهاية أغسطس. لكن الأزمة، في ظل غياب اتفاق قانوني ملزم بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن تشغيل السد، أعادت التذكير بهشاشة الوضع المائي في المنطقة وبأن أي تشغيل أحادي للسد قد يحدث تقلبات مفاجئة في المستقبل.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك