هل تنجح واشنطن في تدمير البنية التحتية الإيرانية؟
في النزاعات العسكرية المعاصرة، يُعد استهداف عدد محدود من محطات توليد الكهرباء أو عقد النقل الرئيسية كافياً لإدخال الدول في ظلام دامس وشلل تنظيمي شامل.
لكن المنظومة الإيرانية تشكل حالة استثنائية تُربك التخطيط العسكري والاستراتيجي، نظراً للطبيعة الفريدة لتوزيع بنيتها التحتية الممتدة على مساحات جغرافية شاسعة.
شبكة الكهرباء الإيرانية: حصانة اللامركزية
تستند شبكة الكهرباء في إيران إلى قدرة مركبة إجمالية تُقدر بحوالي 90 إلى 100 جيجاواط، وفقاً للتقديرات الحديثة. وتكمن النقطة الحاكمة في أن هذه القدرة لا تعتمد على مركز ثقل واحد يمكن تحييده بضربة خاطفة، بل تتوزع على عشرات المحطات الكبرى ومئات محطات التوليد المتوسطة والصغيرة.
محطة دماوند (على تخوم طهران):
تُعد الأكبر في البلاد بقدرة إنتاجية تصل إلى 2,868 ميغاواط، ولكنها لا تمثل سوى 3% فقط من إجمالي القدرة الوطنية.
المحطات الرئيسية الأخرى:
تضم القائمة محطات بارزة مثل شهيد سليمي نكا، رودشور، كرمان، إضافة إلى مجمعات كارون الكهرومائية.
شرايين النقل والتوزيع:
ترتبط الشبكة بـ 133 ألف كيلومتر من خطوط النقل الرئيسية، في حين يتجاوز إجمالي أطوال شبكات النقل والتوزيع (بما فيها الحضرية والريفية) 1.3 مليون كيلومتر.
هذا الانتشار الواسع يجعل إمكانية تعويض أي نقص ناتج عن تضرر محطة معينة أمراً ممكناً وقابلاً للإدارة، بعكس الأنظمة المعتمدة على عدد محدود من المنشآت العملاقة.
قطاع النفط والغاز: شريان حيوي ومُشتت
لا يختلف قطاع الطاقة الهيدروكربونية عن قطاع الكهرباء من حيث التعقيد التكتيكي، إذ يتكون من:
منشآت المعالجة والتكرير: مصافي نفط ومجمعات غاز موزعة على أقاليم متعددة.
التخزين والنقل:
شبكة أنبوبية ممتدة ومراكز تخزين إقليمية.
الموانئ وحقول الإنتاج:
منصات وحقول برية وبحرية في الخليج العربي وإقليم خوزستان، وموانئ تصدير استراتيجية مثل جزيرة خارك.
أبعاد استراتيجية جديدة: لماذا تُعد المهمة تعقيداً عسكرياً بالغاً؟
إلى جانب المعطيات الهيكلية للبنية التحتية، تُبرز التحليلات العسكرية والاستخباراتية أبعاداً إضافية توضح صعوبة شل البنية التحتية الإيرانية بشكل كامل:
1. تحصينات "تحت الأرض" والجغرافيا المعقدة
نجحت إيران لعقود في استغلال سلاسل جبال زاجروس وألبرز لبناء منشآت حيوية ومراكز قيادة ومستودعات طاقة ومواقع عسكرية عميقة تحت الأرض، ممّا يتطلب استخدام قنابل خرق التحصينات الثقيلة (مثل GBU-57 MOP) بأعداد كبيرة، وهي ذخائر محدودة ومخصصة للتدخلات الاستراتيجية المعقدة.
2. المرونة التشغيلية وقدرات الترميم السريع
أظهرت المتابعات الميدانية قدرة الهيئات الهندسية الإيرانية على إجراء عمليات ترميم واستعادة سريعة للخدمات الأساسية والمحولات التالفة، معتمدة على شبكات محلية صغيرة (Microgrids) وإعادة توجيه المسارات الهيدروكربونية والكهربائية للالتفاف على العقد المضروبة.
3. استنزاف الذخائر والدعم اللوجستي
لإحداث شلل طويل الأمد، لا تكفي "ضربة خاطفة"، بل يتطلب الأمر حملة جوية وصاروخية مكثفة ومستمرة تستهدف المحطات، وعقد النقل، والبنية النفطية، مع تكرار قصف المواقع التي يتم إصلاحها.
هذا السيناريو يستنزف مخزونات ضخمة من الذخائر الذكية عالية الدقة.
4. معادلة الردع الإقليمي وأمن الطاقة العالمي
أي هجوم واسع يستهدف حصار الاقتصاد الإيراني سيعرّض البنية التحتية للطاقة في المنطقة للخطر؛ إذ تمتلك إيران قدرات صاروخية وبحرية قادرة على استهداف محطات تحلية المياه، وموانئ التصدير، ومنشآت الطاقة الإقليمية، فضلاً عن إمكانية عرقلة حركة الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية (كمضيقي هرمز وباب المندب)، مما يقفز بأسعار النفط العالمية إلى مستويات غير مسبوقة.
أخيرا
إن تدمير البنية التحتية الإيرانية ليس أمراً مستحيلاً من الناحية العسكرية النظرية، ولكنه ينطوي على تعقيدات استراتيجية؛ حيث يتطلب حرباً استنزافية طويلة الأمد، وتكلفة لوجستية باهظة، ومخاطرة بجر المنطقة برمتها إلى حرب إقليمية شاملة تؤثر على الاقتصاد العالمي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك