متاهة الضحية حين تتحول إلى جلاد . . قراءة نقدية في مسرحية: الثلاث لحظات الأخيرة في حياة السيد ماركوس
دولة العرض: مصر
تاريخ المشاهدة: الأربعاء ٢٢ يوليو ٢٠٢٦
تأليف وإخراج: معتز عجمي
شهد "المسرح الصغير" بقصر ثقافة الأنفوشي ، أمسية مسرحية استثنائية ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة لـ "مهرجان قسم المسرح الدولي ". قدم صُناع عرض "الثلاث لحظات الأخيرة في حياة السيد ماركوس" تجربة مغايرة لا تكتفي بتقديم سردية تقليدية مغلقة، بل تزج بالمتلقي في أتون مساءلة قاسية للمسلمات الأخلاقية. العمل من تأليف وإخراج معتز عجمي، وهو يراهن بالأساس على يقظة عقل المتفرج، متخذاً من الشك الإنساني نافذة للولوج إلى أعماق النفس البشرية المأزومة.
الضحية في عباءة الجلاد
تجاوز العرض فخ الحكاية الخطية المباشرة؛ فرغم أن نقطة الانطلاق تبدو كلاسيكية رجل يهودي ينجو من فظائع النازية ليعود إلى دياره ويجدها قد سُكنت من قبل عائلة ألمانية مسيحية إلا أن المعالجة الدرامية تنحرف بذكاء نحو التجريب والتفكيك العبثي. "ماركوس" هنا ليس بطلاً تراجيدياً يبحث عن تعاطفنا، بل هو أزمة تمشي على قدمين. لقد نجا جسده من المحرقة، لكن روحه ظلت حبيسة أسوارها، ليتحول فعل النجاة ذاته إلى عبء نفسي يدفعه لتبني منطق الجلاد، مبرراً العنف بوصفه حقاً أصيلاً للمظلوم.
تجلت عبقرية الطرح في تفتيت شخصية "ماركوس" إلى ثلاث شظايا تتصارع على خشبة المسرح. لم يعد هناك ماركوس واحد، بل ثلاثة رجال يدعون أنهم هو. يتشاحنون، يتبادلون السخرية اللاذعة، ويلقون بالاتهامات. هذا الانشطار ليس مجرد حل إخراجي جمالي، بل هو تجسيد حي للصراع الفرويدي بين أقسام النفس البشرية (الهو، والأنا، والأنا العليا). إنها حرب ضروس بين غريزة الانتقام المتوحشة، وسلطة الضمير، وثقل الذاكرة، دون أن تُحسم المعركة لصالح أي طرف. وسط هذا الصراع، وُظفت الكوميديا السوداء ببراعة لتكون متنفساً للجمهور من جهة، وفضاءً يعكس قمة العبث الإنساني من جهة أخرى.
دلالات السينوغرافيا وآليات العنف
تمركزت الرؤية البصرية حول دلالات شديدة التكثيف، أبرزها الكرسي الخشبي الفارغ الذي يتوسط الفضاء المسرحي. هذا الكرسي ليس مجرد قطعة ديكور صماء، بل هو المعادل البصري للسلطة الغائبة، وللذنب الذي لا يهدأ. ومع تصاعد الأحداث، يتحول إلى شاهد صامت على اضمحلال شخصية ماركوس الحقيقية التي تلاشت لتصبح مجرد فكرة معلقة في الفراغ.
وقد اعتمد العرض على آليات "التحريض غير المباشر". فماركوس لا يلوث يديه بالدماء، بل يكتفي بهندسة الخراب، محرضاً الطفل على عمه والعم على ابن أخيه، ليؤكد مقولة فلسفية مرعبة: متى انطلقت شرارة العنف، استحال السيطرة على حريقها وعلى النقيض من دموية ماركوس الماكرة، تبرز شخصية الطفلة الكفيفة كبوصلة أخلاقية نقية. إنها فاقدة للبصر، لكنها تمتلك بصيرة نافذة تدرك بها جوهر الأشياء. تمثل الطفلة ميزان الحق في مواجهة التلوث الفكري لماركوس، طارحة فلسفة بسيطة وعميقة: عجلة الدم لا توقفها سوى الرحمة، والعدوان لا يُرد بمثله.
ذروة العبث وعناصر التجسيد الفني
وصلت الدراما إلى ذروتها القاسية في تلك اللحظة المفصلية التي يضع فيها ماركوس مسدسه في يد الطفلة البريئة، محاولاً إقناعها بأن إطلاق النار عليه سيكون تذكرته للعبور إلى الجنة. هذا المشهد هو ذروة التناقض والتخاذل الإنساني؛ فرجل يدعي احتكار الحقيقة المطلقة، ينتهي به المطاف مختبئاً خلف عجز طفلة أعمى، باحثاً عن موت لا يمثل خلاصاً، بل اعترافاً متأخراً بالعجز عن تحمل وزر البقاء.
على صعيد التجسيد، امتلك المخرج معتز عجمي رؤية واضحة استطاع من خلالها، وبمساعدة المخرج المنفذ مصطفى حلمي، قيادة فريق العمل لخدمة فكرته. وقد جاءت عناصر العرض متسقة إلى حد كبير مع الرؤية العامة فالأداء التمثيلي حمل ومضات شديدة التميز؛ فقد لفتت مريم أمين الأنظار بصدق أدائها، بينما أظهر كل من يوسف حسن (جيكا) وزياد رضا ذكاءً في إدارة انفعالاتهما. أما محمد جابر، فقد امتاز بقوة تدفقه الشعوري الذي منح العرض زخماً إضافياً ، وفي الإضاءة والموسيقى صمم أحمد الفرن إضاءة جيدة اقتنصت أغلب اللحظات الشعورية، رغم بعض التضارب الطفيف أحياناً. ولعبت موسيقى أحمد شامل دوراً محورياً ومناسباً في ضبط إيقاع العرض وفي السينوغرافيا تكامل ديكور عبد الرحمن الشافعي، مع أزياء عبير عصام، وماكياج مايسون محمد في خلق بيئة بصرية تعكس الاضطراب النفسي للشخصيات.
للحقيقة العرض لا يخلو من بعض الهنات القليلة، لعل أبرزها جنوح النص في بعض منعطفاته نحو التصريح وبعض هفوات الضوء والموسيقي لكنها لم تأخذ من بشكل كبير من جودة العرض الذي استطاع أن يحافظ على خيط التواصل مع المتفرج، وتنتزع تفاعله، لا سيما في مشاهد الكوميديا والذروة الصادمة. لقد غادرنا السيد ماركوس تاركاً كرسيه فارغاً، لكنه ترك في المقابل أدمغتنا تضج بأسئلة لا ترحم، مثقلة بضمير مسرحي حي لا يقبل الأجوبة السهلة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك