من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

جماليات توظيف الموروث العقائدى فى قراءة الواقع ..قراءة نقدية للعرض المسرحى القصير ( الشاهد )

بقلم _ نرمين نظمى
جماليات توظيف الموروث العقائدى فى قراءة الواقع ..قراءة نقدية للعرض المسرحى القصير ( الشاهد )





يطرح العرض المسرحي القصير "الشاهد" تجربة تقوم على استثمار الزمن المحدود في بناء خطاب مسرحي يتجاوز حدود الحكاية المباشرة إلى طرح قضية إنسانية تتكرر عبر العصور، إذ يستند إلى استدعاء قصة قابيل وهابيل لا بوصفها حدثا تاريخيا يعاد تمثيله، وإنما باعتبارها مرجعية فكرية يتم من خلالها تأمل صور الصراع الإنساني في الواقع المعاصر. ومن ثم لا يتعامل العرض مع هذا الموروث العقائدى باعتباره غاية في حد ذاته بل يجعله مدخلا لقراءة واقع تتشابك فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية مع الاختبارات الأخلاقية، فتغدو الجريمة امتدادا لصراع لم يتوقف منذ اللحظة الأولى في التاريخ الإنساني. وتكتسب هذه الرؤية خصوصيتها من طبيعة المسرح القصير، الذي يفرض اقتصادا في البناء الدرامي، ويعتمد على تكثيف الحدث والدلالة دون الإخلال بترابط الأحداث أو عمق الفكرة،.

وينبني البناء الدرامي على علاقة تجمع الشقيقين سيد وعادل، حيث تتكشف ملامح الصراع تدريجيا من خلال واقع يفرض على الشخصيات ضغوطا متراكمة تؤثر في مساراتها النفسية والإنسانية. ولا يقدم العرض هذه العلاقة في إطار ثنائية أخلاقية تقوم على الفصل بين الخير والشر، بل يفسح المجال لتطور الشخصيات في سياق يكشف دوافعها وتحولاتها، فيصبح الصراع ناتجا عن تداخل عوامل متعددة أكثر من كونه نتيجة لسبب واحد. ومن ثمه يؤدى هذا البناء إلى تجاوز الطابع الوعظي، إذ يضع المتلقي أمام شبكة من العلاقات الإنسانية تدفع المتلقى إلى البحث عن جذور الأزمة لا الاكتفاء بمتابعة نتائجها ..

وتتضح هذه المعالجة بصورة أكبر في رسم الشخصيات، حيث تظهر شخصية سيد بوصفها نموذجا لإنسان أرهقته ظروفه حتى أصبح الإدمان جزءا من أزمته، غير أن العرض لا يحصر الشخصية في هذا الجانب، وإنما يكشف عن هشاشتها الإنسانية وما تعيشه من صراع داخلي، الأمر الذي يمنحها بعدا دراميا يتجاوز الصورة النمطية للمدمن. وفي المقابل تتخذ شخصية عادل مسارا أكثر تعقيدا، إذ تتأرجح بين ما تمليه رابطة الأخوة وبين الضغوط التي تفرضها ظروف الحياة، وهو ما يجعل الشخصية تتحرك داخل منطقة رمادية تبتعد عن الأحكام القطعية. ومن هنا تبرز فكرة "القاتل الطيب" باعتبارها إحدى المفاتيح التأويلية التي تطرحها القراءة النقدية للعرض، إذ لا ينظر إلى الفعل بمعزل عن السياق الذي أفضى إليه، وإنما يقرأ في ضوء التحولات النفسية والاجتماعية التي مرت بها الشخصية.

ويكتسب حضور شخصية المندوب أهمية خاصة داخل البناء الدرامي، لأنها لا تؤدي وظيفة واقعية فحسب، بل تحمل بعدا رمزيا يتداخل مع المرجعية التي يستند إليها العرض. فالشخصية تتحرك بين موقع الشاهد وموقع المحرض، بما يجعلها حلقة وصل بين الموروث الثابت والواقع، دون أن تفقد انتماءها إلى العالم الدرامي الذي تدور فيه الأحداث. ويتيح هذا التداخل تعدد مستويات التلقي، إذ لا تفرض الشخصية معنى واحدا، وإنما تفتح المجال أمام أكثر من قراءة، وهو ما ينسجم مع طبيعة العرض الذي يعتمد على الإيحاء أكثر من اعتماده على التصريح.

وتنعكس هذه الرؤية على المعالجة الإخراجية التي تتجه إلى بناء المعنى من خلال الصورة المسرحية بقدر اعتمادها على الحوار، فلا تصبح الكلمة الوسيلة الوحيدة للتعبير، وإنما تتكامل مع الحركة، والتشكيل، والإيقاع، والصمت، في تشكيل لغة مسرحية قادرة على حمل الدلالة. ويبدو هذا التوجه منسجما مع طبيعة المسرح القصير، الذي يراهن على الاقتصاد في الوسائل التعبيرية، ويمنح العلامة المسرحية مساحة أوسع لإنتاج المعنى، فتغدو حركة الممثل، وموقعه داخل الفضاءالمسرحى ، وطريقة تشكل الصورة البصرية، عناصر فاعلة في تطور الحدث، وليست مجرد وسائل مساعدة له.

.كما تنسجم السينوغرافيا مع هذا التوجه، إذ لا تعتمد على وفرة العناصر البصرية، وإنما تقوم على توظيفها بوصفها مكونات دالة داخل البناء الدرامي. فالفضاء المسرحي بما يتضمنه من ملامح توحي بالتهدم والفراغ لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يعكس حالة التشقق التي تسيطر على عالم الشخصيات، لتصبح البيئة المحيطة امتدادا لصراعاتها الداخلية. كما تكتسب بعض المفردات، ومنها ساعة الحائط، حضورا رمزيا يرتبط بثقل الزمن وترقب اللحظة الفاصلة، فتتحول من عنصر مكمل للديكور إلى علامة بصرية تشارك في إنتاج المعنى..

وتتداخل الإضاءة مع هذا التشكيل البصري لتصبح عنصرا مؤثرا في بناء الصورة المسرحية، إذ يعتمد العرض على مستويات ضوئية متدرجة تتوافق مع تطور الصراع، فتسهم الإضاءة الخافتة في تكوين مناخ يسوده الترقب والقلق، بينما يؤدي استخدام فلاشات الهواتف المحمولة دورا بصريا يلفت الانتباه إلى لحظات بعينها، فيتجاوز حدود الاستخدام الواقعي ليصبح جزءا من اللغة البصرية للعرض. وبهذا لا تعمل الإضاءة بمعزل عن بقية العناصر، وإنما تتكامل مع الفضاء المسرحي وحركة الممثلين لتوجيه إدراك المتلقي، وتركيز انتباهه على التحولات التي تطرأ داخل المشهد.

ويستكمل المؤثر الصوتي هذه المنظومة من خلال حضوره المرتبط بالفعل الدرامي، حيث ترد أصوات الأجراس في بعض اللحظات لتكثيف الإحساس بالترقب، بينما تأتي الموسيقى في حدود ما يفرضه السياق، دون أن تستقل عن الحدث أو تتحول إلى عنصر يزاحم الأداء التمثيلي. ومن ثم يظل الجانب السمعي مندمجا في النسيج العام للعرض، مؤديا وظيفة درامية تسهم في الانتقال بين الحالات الشعورية، وتعزز الإيقاع الداخلي للمشاهد.

أما الحركة المسرحية ، فهى لا تنفصل عن هذا البناء، إذ تتحدد انتقالات الشخصيات داخل الفضاء وفقا لطبيعة العلاقات التي تربط بينها، فتغدو المسافات الفاصلة، وحالات التقارب أو التباعد، جزءا من التعبير عن تطور الصراع. كما تسهم التكوينات المسرحية في إبراز التحولات التي تمر بها الشخصيات، بما يجعل الجسد عنصرا تعبيريا موازيا للحوار، ويمنح الصورة المسرحية قدرة أكبر على الإيحاء. ويؤكد هذا التوظيف أن العرض يعتمد على العلامة المسرحية بوصفها أداة لإنتاج الدلالة، فلا تقتصر عملية التواصل مع المتلقي على اللغة المنطوقة، وإنما تمتد إلى الحركة، والصمت، والإيقاع، والعلاقات البصرية التي تتشكل بين الممثلين داخل الفضاء المسرحي.

ويحافظ الإيقاع العام للعرض على توازن يتلاءم مع طبيعة المسرح القصير، إذ تتوالى المشاهد دون إطالة، مع الاحتفاظ بالترابط بين مراحل الصراع، الأمر الذي يجعل التكثيف سمة أساسية في البناء، لا مجرد نتيجة لقصر زمن العرض. ويظهر ذلك في تجنب التفاصيل التي لا تضيف إلى تطور الحدث، وفي التركيز على المواقف التي تسهم في الكشف عن التحولات الدرامية، وهو ما يمنح العرض وحدة إيقاعية تتوافق مع مساره الفكري.

ويأتي الأداء التمثيلي منسجما مع هذا التصور، حيث يستند إلى التعبير عن التحولات النفسية للشخصيات أكثر من الاعتماد على الانفعال المباشر. فتتخذ شخصية سيد منحنى يكشف هشاشتها الإنسانية إلى جانب معاناتها مع الإدمان، بينما تعكس شخصية عادل حالة التردد والصراع الداخلي الذي يسبق لحظة الحسم، وهو ما يمنح الشخصية قابلية للتأويل بعيدا عن التصنيف الأخلاقي المباشر. أما شخصية المندوب فتؤدي دورها في إطار يجمع بين الوظيفة الواقعية والدلالة الرمزية، بما يتفق مع طبيعة حضورها داخل البناء الدرامي، ويجعلها أحد المفاتيح الرئيسة لفهم الرؤية الفكرية التي يقوم عليها العرض.

ويكشف تداخل هذه العناصر عن معالجة تتجه إلى بناء خطاب مسرحي تتساند فيه البنية الدرامية مع الرؤية الإخراجية والعناصر السينوغرافية لإنتاج دلالة تتجاوز حدود الحدث الظاهر. فاستدعاء الموروث العقائدى لا يأتي بوصفه استعادة للماضي، وإنما بوصفه وسيلة لقراءة الحاضر، كما أن الشخصيات لا تقدم باعتبارها نماذج مغلقة، بل بوصفها تعبيرا عن واقع إنساني تتشابك فيه العوامل النفسية والاجتماعية والأخلاقية. ومن ثم تتحدد قيمة القراءة النقدية لهذا العرض في تتبع العلاقات التي تنشأ بين عناصره المختلفة، وكيفية توظيفها لإنتاج المعنى، أكثر من انشغالها بإصدار أحكام تقييمية، إذ يظل "الشاهد" تجربة تستدعي التأويل من خلال ما تتيحه من تفاعل بين النص، والصورة المسرحية، والأداء، والفضاء، في إطار يتوافق مع خصوصية العرض المسرحي القصير، ويمنح المتلقي مساحة للمشاركة في بناء دلالاته

وتقود هذه المعالجة إلى النظر إلى العرض بوصفه تجربة تتجاوز إعادة إنتاج حدث مألوف ، إلى إزاحة الستار عن أنماط العنف الكامنة في الواقع الإنساني، حيث لا تطرح الجريمة باعتبارها فعلا منفصلا عن سياقه، وإنما نتيجة لتشابك عوامل نفسية واجتماعية وأخلاقية تنعكس على مسار الشخصيات وعلاقاتها. ومن ثم لا يقتصر البناء الدرامي على تتبع الحدث، بل يتجه إلى الكشف عن التحولات التي تسبق لحظة الانفجار، وهو ما يمنح الصراع امتدادا يتجاوز الفعل الظاهر إلى أسبابه الكامنة، ويجعل المتلقي شريكا في إعادة تركيب الدلالة من خلال ما تقدمه الصورة المسرحية والعلامات البصرية والسمعية من مؤشرات.

وفي هذا الإطار تتكامل الرؤية الإخراجية مع العناصر السينوغرافية والأداء التمثيلي لتشكيل بنية متماسكة، إذ لا يطغى عنصر على آخر، بل تتوزع الوظائف الدرامية بين الحركة، والإضاءة، والمؤثرات الصوتية، والديكور، والإكسسوارات، بما يحافظ على وحدة الخطاب المسرحي.

وتؤكد قراءةعرض الشاهد ، في ضوء هذه العناصر، أن المسرح القصير قادر على استيعاب قضايا إنسانية ذات أبعاد فكرية وجمالية، متى أحسن توظيف أدواته التعبيرية، وقام البناء على التكثيف لا الاختزال، وعلى الاقتصاد في الوسائل لا في الدلالة. وفي هذا السياق تتشكل قيمة هذا العرض من العلاقات التي يقيمها بين النص، والرؤية الإخراجية، والأداء، والسينوغرافيا، بما يجعل كل عنصر جزءا من منظومة دلالية واحدة، ويمنح المتلقي فرصة لتأويل العرض انطلاقا من تفاعل هذه العناصر، لا من حضور أي عنصر بمعزل عن الآخر..

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10271
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.