بين الفعل الثوري ودائرية السلطة: دراماتورجيا التغريب في عرض «مارا/ساد»
يقدم المخرج أشرف علي في معالجته لنص بيتر فايس رؤية دراماتورجية تُعيد بناء الحدث التاريخي بوصفه أداة للتفكير في علاقة الثورة بالسلطة، حيث لا يعود اغتيال جان بول مارا مجرد واقعة تاريخية، بل مدخلًا لطرح سؤال يتجاوز زمن الثورة الفرنسية: هل تستطيع الثورة حين تبلغ السلطة، أن تفلت من إعادة إنتاج آليات القهر التي قامت لمناهضتها، أم أنها تغدو بدورها، حلقة جديدة في البنية السلطوية ذاتها؟
وتتأسس هذه الرؤية على بنية ميتامسرحية مركبة تُعاد من خلالها صياغة الثورة الفرنسية بوصفها فعلًا تمثيليًا يؤديه نزلاء مصحة شارنتون تحت إشراف المركيز دي ساد، وفي ظل الرقابة المستمرة لمدير المصحة. وبذلك لا يواجه المتلقي الحدث في صورته التاريخية، وإنما يواجه آليات إنتاجه وإعادة تشكيله داخل مؤسسة تمتلك سلطة التوجيه والتدخل وفرض حدود التمثيل، ليغدو المسرح ذاته أحد تجليات السلطة، لا مجرد وسيط لتمثيلها.
ويتعزز هذا البناء عبر تداخل ثلاثة مستويات زمنية تتحرك في آنٍ واحد؛ الزمن التاريخي ممثلًا في الثورة الفرنسية واغتيال مارا (1793)، والزمن المؤسسي داخل مصحة شارنتون (1808)، ثم الزمن المعاصر الذي يقتحمه العرض عبر إشارات لغوية وصياغات ساخرة تستدعي الواقع الراهن، مثل التلميح إلى "تخفيف الأحمال". ولا تؤدي هذه البنية الزمنية المركبة وظيفة سردية فحسب، بل تتحول إلى استراتيجية تغريبية تربك الحدود بين الماضي والحاضر، كاشفة استمرارية آليات الهيمنة وتجددها عبر الأزمنة.
وفي هذا السياق، لا يغدو "المسرح داخل المسرح" مجرد تقنية بنائية، بل يتحول إلى استعارة لآليات السلطة ذاتها؛ إذ يخضع فعل التمثيل للرقابة والتوجيه مثلما يخضع الواقع للمؤسسة. ويتجلى ذلك في التدخلات المتكررة لمدير المصحة، الذي يوقف الأداء ويعيد ضبطه كلما تجاوز الحدود المرسومة من قبل الرقيب، بينما يتولى الممرضون إعادة النزلاء إلى النظام كلما انفلتت أجسادهم أو تصاعد انفعالهم. وبذلك يكشف العرض أن السلطة لا تفرض هيمنتها عبر القمع وحده، بل من خلال التحكم في آليات إنتاج الخطاب وحدود تداوله.
السينوغرافيا وتغريب الفضاء
إذا كانت البنية الميتامسرحية قد أرست الإطار الفكري الذي يتحرك داخله العرض، فإن الديكور الذي صاغته "دنيا عزيز" منح هذه الرؤية تجسدها البصري، فلم يعد فضاء مصحة شارنتون مجرد خلفية تدور فيها الأحداث، بل تحول إلى بنية مادية تُجسد منطق المؤسسة بوصفها سلطة تضبط الجسد وتعيد تشكيله. فلا تُقدم المصحة باعتبارها مكانًا للعلاج، بقدر ما تبدو فضاءً تُمارس داخله آليات المراقبة والانضباط، حيث تتداخل الرعاية بالقهر، ليغدو المكان معادلًا بصريًا لسلطة تتحكم في الأجساد كما تتحكم في الخطاب.
وتنبع خصوصية هذا الفضاء من تفكيك الوظائف التقليدية لعناصره؛ إذ تتحرر الأشياء من دلالاتها المباشرة لتكتسب وظائف رمزية جديدة داخل سياق العرض؛ فيتحول مرش الاستحمام إلى منبر يخاطب منه الثوار الجماهير، بينما تُوظف المواسير والأحواض والعناصر الصحية كحدود ترسم معالم السيطرة أو أدوات فاعلة في بناء الصراع. ولا يبدو هذا التحول مجرد حيلة بصرية، بل ينسجم مع منطق التغريب الذي يعيد تعريف الأشياء خارج وظائفها المألوفة، ويدفع المتلقي إلى إعادة النظر في دلالاتها بدل التعامل معها بوصفها عناصر واقعية ثابتة.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في المشهد الذي تتلاحم فيه أجساد النزلاء مع عناصر الفضاء لتشكل صورة عربة مترو مكتظة تهتز بمن فيها؛ وهي صورة لا تنزلق إلى إسقاط مباشر على الواقع، بقدر ما تكثف الإحساس بالاختناق والاحتشاد، لتنقل منطق المؤسسة من فضاء المصحة إلى تفاصيل الحياة اليومية، فتغدو السيطرة المؤسسية معادلًا بصريًا لمعاناة الإنسان المعاصر داخل منظومات الحياة الحديثة.
التشكيل الضوئي: دراماتورجيا الانكشاف
يؤدي التشكيل الضوئي، الذي صممه "أحمد طارق"، دورًا يتجاوز الوظيفة التقليدية للإضاءة بوصفها وسيلة لإنارة الخشبة أو إبراز الممثلين، ليصبح عنصرًا دراماتورجيًا فاعلًا في إنتاج المعنى وترسيم حدود السلطة داخل الفضاء المسرحي. فمن خلال التدرج بين الأزرق البارد والأصفر الشاحب، يتشكل مناخ بصري يعكس الاحتباس النفسي والجمود المؤسسي اللذين تفرضهما المصحة على نزلائها، فلا تُستخدم الألوان لاستثارة التعاطف، بقدر ما تؤطر الجسد داخل حالة دائمة من التوتر والاختناق، بما ينسجم مع صورة المؤسسة بوصفها فضاءً للانضباط.
وتبلغ هذه المعالجة ذروتها في لحظة التحول إلى الضوء الأبيض الذي يغمر الخشبة في المشاهد المفصلية. فلا يأتي هذا السطوع لتكثيف الأثر الدرامي، بقدر ما يعمل على قطع الإيهام وكشف آليات العرض أمام المتلقي، فيتحول الضوء إلى ما يشبه كاشف التحقيق الذي يضع الشخصيات والجمهور معًا في حالة من الانكشاف الكامل. وهكذا ينسجم التشكيل الضوئي مع منطق التغريب، إذ لا يدفع المتلقي إلى الاندماج الوجداني، وإنما يحثه على اتخاذ مسافة نقدية من الحدث.
الدراماتورجيا الصوتية: الموسيقى والأشعار
وعلى المستوى السمعي، ينسج "خالد العزازي" بناءً موسيقيًا يتجاوز فكرة المصاحبة التقليدية للحدث، ليغدو جزءًا من البنية الدراماتورجية للعرض. وينطلق هذا الاشتغال من الرؤية الإخراجية المتمثل في حضور الفرقة الموسيقية حية على الخشبة؛ إذ يبقى مصدر الصوت مكشوفًا أمام الجمهور، فلا تتحول الموسيقى إلى مؤثر خفي يقود الانفعال، بل تصبح عنصرًا مرئيًا ينسجم مع الرؤية التغريبية التي تكشف أدواتها ولا تخفيها.
ولا تتحرك الموسيقى بوصفها ترجمة مباشرة للحالة الشعورية، بل تدخل في حوار مستمر مع الحركة والصورة والخطاب. ففي لحظات الحماس الثوري تتصاعد الكثافة الإيقاعية بما يوازي اندفاع الفعل الجماعي، ثم تخفت مع استعادة المؤسسة لسيطرتها إلى إيقاعات أكثر جفافًا وتقطعًا، تتداخل معها صفارات المراقبة وأوامر مدير المصحة، لتصبح الأصوات ذاتها تجسيدًا سمعيًا لحضور منظومة السيطرة وهيمنتها.
وفي السياق نفسه، تؤدي الأشعار التي كتبها "أشرف علي" وظيفة دراماتورجية؛ فهي لا تكرر ما تقوله الشخصيات، ولا تشرح الحدث، وإنما تنبثق من داخله لتواكب تحولاته، مضيفة طبقة شعرية تعمق دلالاته وتعيد تنظيم إيقاعه الداخلي. ويأتي أداء "هدير طارق" مندمجًا في هذا البناء، فلا يتقدم بوصفه استعراضًا صوتيًا، بل كعنصر عضوي يربط بين المشاهد ويحافظ على وحدة الإيقاع، ليغدو الصوت امتدادًا للحركة، كما تغدو الحركة امتدادًا للفكرة.
وإجمالاً: تبلغ الرؤية الإخراجية ذروتها في المشهد الختامي؛ حيث لا يكتفي "علي" بإعادة تقديم نهاية نص "بيتر فايس"، بل يجري عليها تحويرًا دراماتورجيًا ينسجم مع الأطروحة الفكرية التي تأسس عليها العرض منذ بدايته. فبدل أن يظل اغتيال مارا فعلًا تمثيليًا داخل اللعبة المسرحية لنزلاء المصحة، يتدخل "ساد" في لحظة التنفيذ لتبديل السكينة المزيفة بأخرى حقيقية، فيتحول العنف من فعل متخيل إلى ممارسة مادية تقع على الجسد أمام أعين المتلقي.
ولا تبدو هذه الإضافة مجرد محاولة لتكثيف التأثير الصدموي، بل تمثل الخلاصة الفكرية التي ينتهي إليها العرض؛ إذ تكشف أن السلطة، حين تمتلك حق التدخل في مسار الحدث، لا تكتفي بتوجيه التمثيل، وإنما تستطيع إسقاط الحدود الفاصلة بين الرمز والفعل، وتحويل التمثيل إلى واقع. وهنا لا يعود العنف حدثًا تاريخيًا يخص الثورة الفرنسية وحدها، بل يصبح آلية مؤسسية تتكرر كلما امتلكت السلطة حق التحكم في الجسد والوعي معًا.
وتتضافر في هذه اللحظة عناصر العرض كافة لتأكيد هذا المعنى؛ فالجسد الذي ظل طوال العرض ساحة للصراع بين الانضباط والانفلات، يستقر أخيرًا في سكون الموت، بينما يكتسب الضوء الأبيض الكاشف دلالته النهائية مشيرًا إلى سقوط كل أقنعة الإيهام. وفي الوقت نفسه، تتراجع الموسيقى ليحل الصمت القاسي محلها، فلا يترك العرض للمتلقي مساحة للاسترخاء أو التطهر العاطفي، بل يضعه أمام حقيقة صادمة تفرض عليه إعادة التفكير في البنية برمتها.
لا يقدم عرض «مارا/ساد» الثورة بوصفها خلاصًا، كما لا يكتفي بإدانة السلطة بوصفها شرًا مجردًا، وإنما يضعهما معًا داخل دائرة واحدة من المساءلة النقدية، كاشفًا هشاشة الحدود الفاصلة بينهما. وتكمن خصوصية معالجة أشرف علي وفريق عمله في إعادة تنظيم عناصر العرض داخل نسق دراماتورجي متماسك، يتولد فيه المعنى من التفاعل المركب بين البنية الميتامسرحية، والسينوغرافيا، وعمارة الجسد، والتشكيل الضوئي، والبناء الصوتي.
وهكذا لا يغدو التغريب تقنية شكلية تُستدعى لحظيًا، بل يصبح المنطق البنائي الحاكم للعرض بأكمله، محافظًا على المسافة النقدية بين المتلقي والحدث، ودافعًا إياه إلى مغادرة القاعة لا بإجابة جاهزة، بل بالسؤال الذي ظل يتردد منذ اللحظة الأولى: هل تستطيع الثورة أن تكسر دائرة السلطة فعلًا، أم أنها، كلما امتلكت أدواتها، أعادت إنتاجها في صورة جديدة؟
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك