من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

شعرية التجريد ومأزق التجسيد.. سؤال الهوية المستحيل قراءة نقدية في مونودراما “هيبوليتوس بلا حدود”

بقلم: محمد سقراط
شعرية التجريد ومأزق التجسيد.. سؤال الهوية المستحيل قراءة نقدية في مونودراما “هيبوليتوس بلا حدود”


تطرح إعادة قراءة النصوص الكلاسيكية الإغريقية على الخشبة المعاصرة تحدياً منهجياً يتجاوز مجرد إعادة إنتاج الحكاية إلى البحث عن جوهر الصراع الفلسفي وتجسيده في صيغ بصرية وحركية تكثف المأساة وتستجوب المفاهيم الوجودية للإنسان. وفي هذا الإطار النقدّي، جاءت المونودراما اليونانية “هيبوليتوس بلا حدود” للمخرج إيفدوكيموس تسولاكيديس، وبطولة الممثل ليفتيريس لوكاس - والمشاركة ضمن فعاليات مهرجان قسم المسرح الدولي في دورته التاسعة عشرة - كإعادة تفكيك معاصرة لمأساة يوريبيديس الشهيرة؛ حيث اتجه العرض نحو اتخاذ التجريد التام منهجاً أساسيا لبناء الفضاء المسرحي، مختزلاً خشبة المسرح في عناصر بصرية وصوتية مكثفة تتكون من ممثل، وجردل معدني، وحبل سميك، مع الاعتماد على الإضاءة والموسيقى كشركاء فاعلين في صياغة الحدث الدرامي من محاولة شحذ واستنفار الحواس والذهن للمساهمة في تشكيل الوعي البصري لدى المتلقي.

إن الخيار الإخراجي بالتعري والتجرد من الفخامة البصرية والديكورات الواقعية المعتادة في المسرح الإغريقي القديم ينم عن رؤية فكرية تعتمد على عزل شخصية "هيبوليتوس" في فضاء وجودي عارٍ من أي مساحيق، بهدف التركيز الصارم على الصراع الداخلي للبطل وأزمته المركبة مع مفهوم المرأة، وتمسكه بالقيم المثالية المطلقة دون أدنى مساومة في مواجهة واقع متصادم مع القيمة ومجرد من أي الفضيلة. وقد حاول العرض توظيف الملحقات البسيطة المتاحة على الخشبة كرموز متعددة الدلالات عبر متواليات الأداء الجسدي؛ فبرز "حبل السلبة" كأداة متعددة الوظائف الدلالية والدرامية، تنوعت استخداماتها بين خيط الاتزان الهش الذي يمشي عليه الممثل، ولجام الخيل الذي يعكس السيطرة أو الانقياد في تتابع استخدامه للحبل فرضيا كلجام لفرس يقوده ثم تحوله هو نفسه إلي فرس والحبل لجامه، والتخبط أثناء القفز المضطرب الذي ينتهي بالسقوط "مستخدما بذلك لعبة نط الحبل"، وكتلة التجسيد الرمزي للطفولة التي يهدهدها كرضيع، وصولاً إلى كونه أداة للخلاص الفاشل عن طريق المشنقة. وفي المقابل، تحول "الجردل المعدني وماؤه" إلى بؤرة دلالية ترمز إلى التطهر أو الغرق الوجودي حين يغمر الممثل رأسه فيه، وصولاً إلى لحظة سكب الماء على جسده كفعل إشهار للانكسار النهائي والرفض والتطهر المطلق.

من الناحية المنهجية، يراهن هذا الطرح المونودرامي بشكل مطلق على الممثل باعتباره المحرك الأساسي للفعل المسرحي والوسيط الوحيد لنقل الفكرة وفلسفتها، حيث حاول البناء الإخراجي استثارة الحواس وتنشيط الوعي البصري والسمعي للمتلقي عبر بناء صور خيالية للحدث تعتمد على استنهاض الطاقة الصوتية والحركية للممثل. وقد تجلت الرغبة الإخراجية في دمج المفاهيم الفلسفية المعقدة حول الذات والآلهة والهوية، وتوجيه التساؤلات الكبرى لزيوس حول خلق المرأة، عبر تحولات حركية مكثفة تبدأ بالدخول من صالة الجمهور بحجم وهيئة بالية تتنكر في زي الطبقات الهشة، وصولاً إلى اللحظة الختامية التي تتوج بتشكيل جسدي يتخذ وضعية المصلوب، في محاولة للربط المفهومي بين المأساة الكلاسيكية وفكرة التضحية أو الفداء الوجودي في التاريخ الإنساني.

غير أن التحدي النقدي الملموس في هذا العرض يكمن في المسافة الفاصلة بين التصور الفكري الرصين للرؤية الإخراجية وبين آليات تنفيذها العملي على مستوى الأداء الجسدي والفضائي. فمن حيث استغلال الفضاء المسرحي، لوحظ اتجاه الممثل للتموضع الدائم والمتركز في يسار الخشبة، دون استثمار واعٍ أو متوازن لكامل المساحة المحددة له أدائياً من قبل المخرج، مما أوجد اختلالاً في التوازن البصري وأضعف ديناميكية التشكيل الفضائي التي يتطلبها مسرح المونودراما القائم أساساً على التوزيع الحركي والتمركز المتقن لإشغال الفراغ.

وعلى مستوى الأدوات الأدائية للممثل، واجه العرض صعوبة منهجية في شحن الأفعال الحركية بالبواعث النفسية الصادقة التي يقتضيها الصراع الفلسفي المعقد لشخصية هيبوليتوس. وتتجلى هذه الفجوة التعبيرية في نمطية الأداء خلال المشاهد المتناقضة في بنيتها الرمزية؛ ففي تشكيل حالة "الفرس" - سواء عند تمثيل دور الراكب الذي يمسك باللجام أو عند تحول الممثل لتمثيل الفرس ذاته - جاء التجسيد الجسدي متماثلاً في الوتيرة، ويسوده قدر من البهتان والآلية، برغم أن الحالتين تقومان على نقيضين كاملين من حيث الدافع والوضعية الجسدية والنفسية. وانسحب هذا التسطيح الأسلوبي أيضاً على التشكيل الجسدي الختامي في وضعية الصلب؛ حيث افتقر الفعل إلى الطاقة الداخلية والشحنة الوجدانية الداعية لتشكيل هذه اللحظة المفصلية، فبدت الحركة كإجراء شكلي محدد سابقاً دون أن تتغذى برغبة حقيقية أو دافع درامي بعميق الأثر.

إن عرض “هيبوليتوس بلا حدود” يطرح تجربة فكرية لافتة تنطلق من رؤية إخراجية طموحة تسعى لتجريد المأساة وإعادتها إلى أصولها الفلسفية الأولى في مواجهة زيف العالم وقسوته؛ غير أن التعثر التنفيذي على مستوى التجسيد الجسدي والاستخدام غير المتوازن للفضاء المسرحي حال دون اكتمال طاقة التأثير البصري والفكري لدى المشاهد، ممّا أدى إلى حالة من التشتت الإيقاعي. وتؤكد هذه التجربة مرة أخرى على المبدأ النقدي الراسخ في فن المسرح: إن قوة الطرح الفكري وجمالية الرؤية الإخراجية تظلان مرهونتين بمدى كفاءة امتلاك الممثل لأدواته الجسدية والصوتية، وبقدرته على شحن كل حركة ببعثها النفسي الصادق، لكونه الشريان الحقيقي والوحيد الذي يتنفس منه النص على خشبة المسرح.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10277
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.