تصريحات روبيو في مانيلا.. عندما ترسم "المعايير المزدوجة" وجه السياسة الخارجية الأمريكية
أثارت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، خلال مؤتمره الصحفي العاصف في العاصمة الفلبينية مانيلا، موجة من الجدل والألغاز السياسية؛ نظرًا لما حملته من تناقضات صارخة في المعايير وتجاهل واضح للوقائع الميدانية والتاريخية.
تأتي هذه التصريحات لتسلّط الضوء مجددًا على طريقة إدارة واشنطن -في عهد الرئيس دونالد ترامب- لأزمات الشرق الأوسط، وتضع السياسة الخارجية الأمريكية تحت مجهر النقد السياسي والإعلامي.
مبدأ "العين بالعين".. بين المفهوم وتطبيقه الانتقائي
أكد روبيو في حديثه أن الرئيس ترامب يتعامل وفق مبدأ "العين بالعين" في إدارة الصراعات الدولية. غير أن هذا المبدأ -بحسب مراقبين- يصطدم بتطبيقاته على الأرض؛ فالضربات والاغتيالات التي طالت قيادات إيرانية وحلفاء لها، والتي أسفرت عن سقوط مدنيين وأقارب لرموز القيادة، تجعل المنطق يقتضي تسليط ذات المبدأ على الأطراف كلها دون استثناء أو تجزئة، بدلاً من اعتباره حقًا حصريًا لطرف واحد.
روبيو ولافروف
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو: نحن وروسيا أكبر دولتين تمتلكان أسلحة نووية على وجه الأرض وسيكون من المتهور وغير المسؤول ألا نجري محادثات معًا
وأضاف روبيو : يتعين علينا الانخراط في الحوار والتواصل مع الحكومة الروسية.
ورفض روبيو التعليق على تقارير بشأن تعاون روسي إيراني لاستهداف القوات الأمريكية
وخلال مؤتمر صحفي، سخر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من الاستناد إلى التقارير الإعلامية، قائلاً إنه لن يناقش مثل هذه المسائل علنًا، حتى لو افترض صحتها.
وأكد في الوقت نفسه أن أي دعم تتلقاه إيران "لا يزيد بأي شكل من الأشكال من قدرتها على استهداف الأمريكيين".
عقدة السلاح النووي: طهران مقابل بيونغ يانغ
شدد وزير الخارجية الأمريكي على أن واشنطن لن تسمح لإيران باكتساب سلاح نووي إطلاقًا. وهنا يطرح الشارع السياسي سؤالاً جوهريًا: لماذا يُمارس هذا الضغط الخانق على إيران، بينما تمتلك كوريا الشمالية بالفعل ترسانة نووية وصواريخ عابرة للقارات قادرة على ضرب الساحل الغربي الأمريكي؟
تُشير التقديرات إلى أن التركيز الأمريكي المفرط على الملف النووي الإيراني لا ينطلق فقط من حماية أمن المواطن الأمريكي، بل يتأثر بشكل مباشر بالحفاظ على التفوق العسكري للكيان الإسرائيلي في الشرق الأوسط، مما يثير تساؤلات حول ترتيب أولويات الأمن القومي لدى واشنطن.
القواعد العسكرية في الخليج: دروع في الواجهة
تطرق التقرير التحليلي إلى طبيعة استخدام القواعد الأمريكية في دول الخليج؛ حيث تُستخدم هذه القواعد المسالمة كنقاط انطلاق للعمليات ووسائل للضغط الإقليمي، في حين تُجنَّب القواعد القريبة من إسرائيل الانخراط المباشر لحمايتها من أي رد انتقامي إيراني.
وسوف تتحمل دول المنطقة التبعات الكارثية والمخاطر الأمنية الناجمة عن المغامرات الأمريكية، ثم تُطالب إما بدفع تكاليف هذه الحماية أو تحمل الفواتير الاقتصادية لحروب لم تكن طرفًا في صناعتها.
التاريخ والردع النووي: السابقة الوحيدة
في الوقت الذي تسوّق فيه واشنطن مخاطر امتلاك السلاح النووي من قبل أطراف أخرى، يغفل الخطاب الأمريكي واقعة تاريخية ثابتة: الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في التاريخ التي استخدمت القنبلة الذرية فعلًا (في هيروشيما وناجازاكي عام 1945).
كما يُبرز هذا الخطاب ازدواجية صريحة بالصمت عن الترسانة النووية غير الخاضعة للرقابة الدولية لدى إسرائيل، في حين يتم التعامل بمعايير مختلفة تمامًا مع دول أخرى مثل باكستان والهند أو كوريا الشمالية.
الدبلوماسية الأمريكية: "تنفيذ الأوامر" أم العمل المؤسسي؟
أثار قول روبيو إنه ينفذ "فكر وتعليمات ترامب" تساؤلات حول تراجع الدور المؤسسي لوزارة الخارجية الأمريكية، وتحول الوزير من رسم السياسات الخارجية للدولة العظمى إلى مجرد منفذ لإرادة السلطة التنفيذية الفردية، وهو السلوك الذي طالما انتقدته واشنطن في الدول النامية واعتبرته مظهراً من مظاهر تراجع الديمقراطية.
6. استغلال الغضب الداخلي والتغاضي عن الأزمات المحلية
انتقد روبيو النظام الإيراني في التعامل مع غضب الشارع، متجاهلاً ما شهدته واشنطن نفسها من اضطرابات واقتحامات لمؤسسات الدولة السيادية خلال محطات انتخابية سابقة، وهو ما يُظهر تناقضاً بيّناً عند تقييم الأزمات الداخلية للآخرين مقارنة بالأزمات المحلية.
فاتورة الحروب: من ينفق ثروات شعبه على "أذرع الشر"؟
اتهم روبيو طهران بتبديد ثرواتها على الفصائل الإقليمية، لكن الأرقام والإحصاءات تعكس جبهة أخرى للإنفاق؛ إذ تشير تقارير مشاريع "تكلفة الحرب" (Costs of War) إلى أن الولايات المتحدة أنفقت تريليونات الدولارات على حروبها الخارجية في:
العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا.
بالإضافة إلى المساعدات العسكرية بمليارات الدولارات لدعم العمليات العسكرية المباشرة في غزة والمنطقة، وهو إنفاق ضخم اقتُطع من أموال المكلف الأمريكي بدلاً من توجيهه للتنمية وتحديث البنية التحتية المحلية.
تشير تصريحات مانيلا أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تزال تدار بـ منطق القوة والمعايير المزدوجة، حيث تُفصّل المفاهيم الدولية وفقاً للمصالح الضيقة لحلفاء واشنطن، على حساب استقرار الشعوب والدول الحليفة في المنطقة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك