من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

من يفرض السلطة في عرض «في مكان ما»؟

بقلم / منال الشرقاوي
من يفرض السلطة في عرض «في مكان ما»؟


منذ صورته الأولى، يضع عرض «في مكان ما» جسدين داخل معادلة واحدة؛ يجلس فرانك بنظارته وارتباكه، ويقف كنارف أمامه بخشونة ظاهرة. يربط حبل واحد ساقيهما، ويتيح لكل منهما قدرًا من الحركة داخل فضاء الغرفة. تحمل الصورة مفتاح اللعبة كاملة؛ فكل خطوة يقطعها أحدهما تجعل جسد الآخر حاضرًا في مداها، وكل محاولة للسيطرة تؤكد المصير المشترك. وعندما يعلن كنارف أن مدة الجولة خمس وعشرون دقيقة، ثم يتوعد فرانك بالموت إن أخفق في تنفيذ المطلوب، يتحول الزمن إلى أول أدوات السلطة.

يصوغ أسامة ميكي النص بوصفه لغزًا متدرجًا، ويحول سمعان رؤوف، عبر السينوغرافيا والإخراج، مسرح الغرفة إلى ساحة اختبار نفسي وقانوني. تستقر طاولة بسيطة عند أحد طرفي مساحة الأداء، وتعلوها زجاجة خمر تنشر رائحة الكحول في القاعة، فتدخل حاسة الشم في بناء التجربة. وحين يتحدث كنارف عن الخمر والسيجار كطريق لحسم القضايا، تكتسب الزجاجة وظيفة تتجاوز الزينة؛ إذ تصبح علامة على عدالة مخدرة، وعلى سلطة تجعل اللذة والمصلحة مدخلًا إلى القانون.

تمنح الحركة الجسدية هذا الصراع مادته الأشد وضوحًا؛ إذ يمنح مدحت إسماعيل شخصية كنارف حضورًا ضاغطًا، ويجسد محمد عبد الكريم توتر فرانك وانكماشه تحت التهديد. وتتكثف علاقة الهيمنة حين يضع كنارف كوعه فوق رأس فرانك ويتكئ عليه، ثم يضغط بركبته على كتفه، فيترجم التكوين اختلال ميزان القوة داخل الغرفة. هنا تكتب الأجساد مرافعة موازية، وتصبح المسافة والاتكاء وطريقة الوقوف مفردات في قاموس الهيمنة. 

وسط هذا الضغط، يحتمي فرانك بالقانون، فتتدفق أرقام المواد من فمه بسرعة توحي بذاكرة تحفظ النصوص وتتشبث بها، بينما يستقبل كنارف تلك المواد بالضحك، ثم يخترع مادة تمنح المحامي مكافأة قدرها تسعون في المئة عند كسب القضية. تكشف المفارقة آلية السلطة؛ فالمادة الصحيحة تستند إلى نص، والمادة المختلقة تستمد أثرها من جرأة قائلها وامتلاكه حق التنفيذ. لذلك تتردد عبارة «حل اللغز» مع تناقص الوقت، ويأتي إعلان بقاء اثنتي عشرة دقيقة ليضاعف الضغط، فمعرفة القاعدة تمثل فرصة النجاة، فيما يظل واضعها مالكًا لتفسيرها وتغييرها.

ويجذب كنارف الجمهور إلى معادلة السلطة حين يطلب قطعة نقدية من أحد الحاضرين ويبدأ لعبة «ملك وكتابة». وتكتسب اللحظة قوتها من حميمية مسرح الغرفة؛ إذ يحول الطلب المباشر القرب المادي إلى اختراق للحد التمثيلي بين فضاء الحدث وفضاء المشاهدة. يمنح المتفرج اللعبة أداتها، فيما يحتفظ كنارف بحق إدارتها وتفسير نتيجتها، فينشأ تورط رمزي ينسجم مع سؤال العرض عمن يضع القاعدة ويمتلك تنفيذها. 

ينتقل الصراع من الجسد إلى الخطاب حين تتحرر يد فرانك لإلقاء مرافعته. يقف ممسكًا بالورقة ويستهلها بكلمة «السلام»، ثم يستدعي ضحايا الحروب والاحتلال من النساء والشيوخ، فتتسع المرافعة لتشمل الألم الإنساني عبر الأزمنة والأمكنة. وتبلغ ذروتها في عبارته اللافتة «العالم أصبح أشد قسوةً ورعبًا من غرفة الفئران التي كانوا يخيفوننا بها ونحن صغار». تصل الجملة خوف الطفولة برعب العالم الراهن، وتحول «غرفة الفئران» من صورة غرست الخوف في الصغر إلى مقياس تقاس به وحشية العالم.

منذ هذه اللحظة، تصبح كلمة «السلام» معيارًا يكشف ما يعقبها؛ إذ تتوالى في مقابلها صور الحبل والتهديد والضغط الجسدي. ومع شروع كنارف في مرافعته، تبدأ المواقع في التبدل، ويأمر كنارف فرانك قائلًا «ألقها»، فتتحول العبارة إلى مزحة لفظية عابرة حول الإلقاء والضحك. ويبلغ التناقض ذروته حين يطوق الكرسي المقلوب الجسد الخاضع ويضيق حركته، فتغدو أداة الجلوس بنية تجسد السلطة، وتحول كل صورة لاحقة كلمة السلام إلى نقيضها.

ويكتمل انقلاب المواقع حين يتبادل الرجلان موضعي الوقوف وعلاماتهما؛ فتنتقل النظارة من فرانك إلى كنارف، وتتبدل لغة الجسد ونبرة الصوت، وينقلب موقعا الآمر والمأمور. ويجسد الممثلان هذا التحول عبر تبادل قاموسيهما الحركيين؛ فيستعير مدحت إسماعيل انكماش فرانك وتردده، فيما يتبنى محمد عبد الكريم اتساع حركة كنارف وشراسته. ومع انقلاب ميزان القوة، يكشف كنارف جانبًا من سيرته، فيعلن أنه محام في السابعة والثلاثين، عرف بمهارته وأصيب بالفصام قبل خمس سنوات إثر خسارته قضية.

ثم يقف الرجلان متقابلين، ويتفقان على نطق اسميهما معكوسين، فتتكشف العلاقة الحرفية بين «فرانك» و«كنارف»؛ فالاسم الثاني صورة مقلوبة من الأول. يمنح ذكر الفصام السيرة معطى نفسيًا صريحًا، فيما يصوغ قلب الاسمين علاقة مرآتية بين الشخصيتين. وتفسر هذه اللعبة اللغوية تبادل العلامات، وتكشف أن المواجهة تمتد إلى أعماق الهوية. 

تصنع أصوات الأكابيلا، بأداء چون عزيز، وزيزي محمد، ومارتينا عماد، وبيبو عبده، وملك ياسر، وكيرو يوسف، حضورًا ثالثًا يحيط بالرجلين. وتنساب الهمهمات والآهات المتنغمة في فضاء العرض، فتبدو امتدادًا لما يضطرب في الرأس، وتؤدي وظيفة جوقة خفية تراقب الجولة. 

وتدعم الإضاءة القلقة مناخ المحاكمة والحصار، فيما جاءت تحولاتها عند تبادل السلطة محدودة أمام قوة الانقلاب الأدائي، فخفت الأثر البصري لهذا التحول. ويسهم تنسيق توماس سكوب للمنظر، إلى جانب الإخراج التنفيذي لفرح مصطفى، في ضبط تشكيل المساحة وانسياب الحركة داخلها.

وحين يعلن انتهاء الوقت، يدوي صوت طلقة فيما يستقر المسدس في يد فرانك، ويسقط الرجلان معًا. عندها يبلغ الحبل دلالته الأخيرة؛ فالقيد الذي جمع الجسدين في بداية الجولة يوحد سقوطهما في نهايتها. تبدأ المرافعة بكلمة «السلام» وتنتهي اللعبة بصوت الطلقة، وبينهما تقطع السلطة مسارها من فرض الأمر إلى إفناء طرفي الصراع. هكذا يجيب العرض عن سؤاله؛ فاليد التي تحاول إخضاع صورتها المقابلة تشد نفسها إلى المصير ذاته، ويغدو السلام قدرة الإنسان على مصالحة طرفي الانقسام الكامن داخله.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10296
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.