الوقوف على حافة الفعل في قصص أحمد رجب شلتوت
بتكثيف لغوي متقن ينسج "أحمد رجب شلتوت تفاصيل عوالمه القصصية في مجموعة "فاطمة لا ترقص التانجو"، والتي لا تأبه كثيرا بتصوير تطور الشخصية ونموها داخل هذا النسيج، وإنما تعمد إلى اختيار لحظة بعينها للكشف عن عمق الألم الإنساني الذي يحدد مسارات الحركة في الحياة أو يقيدها، ومن جملة هذه الصور التي يلتقطها من عمق مجتمعه، يجعل كل قصة من قصصه بمثابة مفردة في ملحمة الوعي التي ينسجها الخيال الإبداعي لدى المتلقي، وهو في ذلك لا يقدم لقارئه صورا وأخيلة معقدة ليعبر عن تلك اللحظات الإنسانية، بل إن براعته تكمن في الانطلاق من اليومي والمألوف لينبش فيها عن ألم إنساني مستتر، تجعله "المفارقة اللفظيةVerbal Irony " أكثر وضوحا، وتؤسس لمفارقة من نوع آخر هي "مفارقة الموقفSituational Irony "، لتكسر أفق التوقعات لدى القارئ وتأخذه إلى منطقة الكشف الكبرى التي تزيح الستار عن طبيعة ما تعانيه المجتمعات، وما يجعل خطوها إلى الأمام وئيدا.
إن أول ما يواجه القارئ في المفارقات التي يصنعها "أحمد رجب شلتوت" في نصوصه القصصية، هي عناوينه التي توحي بشئ، بينما السياق يقف على معنى آخر لهذه العناوين؛ فعنوانه الأساس "فاطمة لا ترقص التانجو"، الذي اختاره لمجموعته القصصية نافيا الفعل عن الشخصية، يأتي النص ليؤكد هذا النفي، ولكن ليس لأن الشخصية لا تفعله فحسب، وإنما لأن وجود الشخصية بحد ذاتها محض خيال ولحظة عابرة في مخيلة الشخصية الرئيسية داخل القصة. وهكذا الأمر في عدد من قصص الكاتب الذي يستثمر خيال شخصياته القصصية ليعبر عن أحلام إنسانية مؤجلة، أو افتراضات لواقع كان تحقيقها سيغير هذا الواقع ويجعله أفضل.
في حين تأتي المفارقة في عناوين أخرى لترصد المسافة بين الواقع المادي الذي تشير إليه اللفظة المختارة للعنوان، وبين المعنى الذي يسكن جسد النص؛ ففي أولى نصوص مجموعته القصصية، يأتي عنوان "الضاحكون" مفارقا للحدث القصصي، وكاشفا عن أن هذا الفعل الجماعي الذي عبرت عنه الكلمة لم يكن وليد سعادة نابعة من تحقيق إنجاز، أو إحراز هدف، وإنما هو وليد استعلاء على ضعف الآخر والإمعان في التأكيد على هذا الضعف والعجز، والذي تأتي المفارقة بدورها لتأكيد خروج هذا الفعل الجماعي عن نطاق الفطرة السوية، والانزلاق إلى هوة سحيقة تأخذ من رصيد المجتمع الذي يقع فيه الفرد فريسة للسخرية المعلنة من عجزه وضعفه، وهو ما نراه أيضا في قصة " انكسار"، التي يتجه فيها الكاتب بنظره إلى نقطة أعمق من تصوير الأشياء المادية في تبدل واقعها، ليرصد انكسار النفس البشرية تحت وطأة تبدل القيم والمفاهيم، واستخدام السلطة في غير موضعها لإذلال نفوس البشر.
الصورة وجه سينمائي للمفارقة
إن الكاتب في استخدامه للمفارقة عبر تنويعات مختلفة، لا يكتفي منها بما تفعله اللفظة أو الموقف، ونسج علاقات مترابطة فيما بينهما داخل النص، إنما يوظف لغة أخرى تتضافر مع لغته الأدبية، فيلجأ إلى تقنيات سينمائية قائمة على لقطات قريبة للأشياء والأشخاص ليصور الأثر النفسي الذي ينعكس على صفحة النفس البشرية إزاء تلك اللحظة التي يختارها الكاتب عصبا لقصته؛ ففي قصة "العائد إلى فرحانة"، لم يكن الإعلان عن تلك العودة مصدر سعادة للشخصية، بل مسار ألم اتخذته تلك اللحظة في حياة الشخصية، التي يجعل حكيها في بداية القصة بمثابة عودة زمنية أو Flash Back لتفسير تلك اللحظة، وكيف كانت الحياة بينه وبين زوجته تمتلئ بذكريات سعيدة بددها موت الابن الوحيد، وكيف خرج (مضطرا) في طلب ما يكفي بيته، وكيف كان دفاعه عن أحد الشباب المتظاهرين في طريق عمله، هو البوابة السريعة لحياة رحلت على وقع ضرب مفرط بهراوات الجنود، الذين لم يروا في دفاعه عن هذا الشاب تمثلا للدفاع عن ابنه الراحل لو أنه كان في نفس الموقف.

والقصة في تكثيفها للتعبير اللغوي عن معاناة الأب المكلوم برحيل ولده، والكشف عن تلك الخلفيات التي جعلت عودته إعلانا عن فقد أكبر برحيل الزوج والعائل الوحيد لـ"فرحانة"، استطاعت أن تحفر ملامحه وعمق ألمه عبر مستويات عدة يتداخل فيها السمعي والبصري، الذي يخرج بهذه الشخصية عن إطار حالة محددة إلى نمط بشري موجود في المجتمع، قوام حياته الفتات التي يتركها الزمن على ملامحه، وفي هذا الحزن الذي ينساب في داخله؛ فنرى الكاتب في وصفه يقول: " وجدته فاقدا لبعض أسنانه، التجاعيد احتلت من الوجه أغلبه، والعينان فيهما حزن كامن يحاول الإفلات من أسر الكتمان. أنهى مواله وراح يلقي النكات. أضحكنا على السائق، وعلى نفسه، وعلى أنفسنا، وبعد الضحك حكى عن فرحانة، الزوجة وأم الولد الميت"، وفي هذه الجمل الخاطفة يستقر الوجع الإنساني الذي يعبر عنه، باللقطة القريبة التي تتحول فيها كل جملة إلى غوص ماهر بالكاميرا في تفاصيل الوجه الإنساني، وأثر الزمن والحزن في تشكيل ملامحه، كما يتولي "الموال" الشعبي -كتعبير جماعي عن العاطفة- سرد وقائع هذا الألم الذي يسكن أعماقه، وكأنه الصوت البديل الذي يعيد انصهاره في نسيج المجتمع مبددا وحشة الفراق.
وليست الصورة والصوت هما التقنيتان البارزتان في التكوين القصصي لدى "أحمد رجب شلتوت"، وإنما "الصمت" كان من بين التقنيات اللصيقة بلحظات التردي الإنساني، والذهاب بالأثر النفسي للخروج بالفعل عن الإجماع العام إلى أقصى درجة؛ فـ " عوضين" بطل قصة "الضاحكون"، الذي سخر الجميع من ضعفه وقلة حيلته، كان بكاؤه الصامت هو الأثر الظاهر للقهر المجتمعي له، بينما "زوج فرحانه" الذي قاوم الصمت بـ"الغناء والضحك"، كان الصمت شريكا للمجموع في تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير، وقد جاء الصمت في العبارة الختامية التي صاغها الكاتب ليسجد نوعا آخر من القهر المجتمعي حين قال : " وصامتين حملناه إلى السيارة، وعدنا به إلى فرحانة"
المعارضة القصصية..رؤية جديدة تنطلق الأشكال التراثية
ولا يكتف "أحمد رجب شلتوت" في التعبير عن عالمه الإبداعي بتطويع مهارته وقدرته على تكثيف اللغة للنفاذ السريع إلى عمق ما يريد التعبير عنه، أو توظيف التقنيات السينمائية للكشف عن الأثر النفسي الذي تتركه اللحظات التي يختارها على ساحة النفس البشرية، ومن ثم اتساع هذا الأثر إلى مجتمع بأكمله، وإنما يحشد هذه الإمكانات داخل قالب أدبي جديد يعكس قدرته على الذهاب بفن القصة إلى ما هو أبعد من الشكل التقليدي لها؛ فنراه في قصة " ليلى تأكل الضفادع" يقدم معارضة قصصية لقصة الحب الشهيرة بين "قيس وليلى"، ويعيد انتاجها وفق معايير عصر غلبت عليه المادة، وتراجعت العاطفة فيه حتى لكأنها ضرب من الجنون، فيجعل "ليلى" تقبل الزواج بـ" ورد" العائد من بلاد الفرنجة محملا بالحقائب والأموال، وفي لحظة يأس من "قيس" الذي سمعها "تنادي وردا بالحبيب"، يأتي قراره بأن يتحول إلى "ضفدع" يزعج "ليلى" والحبيب بنقيقه المستمر عند النافذة، فتأتي نهايته على يد "ورد"، الذي اصطاده برغبة من" ليلى"، ليصنع لها طبقا أجاده في بلاد الفرنجة.

إن هذه المعارضة القصصية في استحضارها لقصة الحب الشهيرة، انطلقت أيضا من المألوف المتعارف عليه، لتدير زاوية الكاميرا باتجاه مستجدات دخلت على الواقع وغيرت مألوفه إلى الحد الذي يتحول معه الخيال إلى واقع، وما كان بعيدا عن التصور، أصبح هو الواقع نفسه، لذا فإن معارضات " أحمد رجب شلتوت" في هذه المجموعة القصصية لم تتوقف عند هذه القصة فحسب، وإنما يستثمر حضور " ليلى" كتعبير عن المحبوبة الأسطورية في قصص الحب، لتصوير تلك التبدلات التي طالت العلاقات الإنسانية المعاصرة؛ ففي "إعدام ليلى"، نرى "سعيد" هو البديل العصري لـ" قيس"، الذي كان قتله لـ" ليلى" والإجهاز على حياتها بسبب من رفضها للزواج والإصرار على دخول الجامعة، ذلك الفعل الذي تم بايعاز من الأب، وضعف وقلة حيلة من الأم.
وتمتد المعارضات القصصية التي يلجأ إليها "أحمد رجب شلتوت" لإعادة قراءة الواقع الراهن إلى قصص تراثية أخرى تتماس في مقدماتها مع الفكرة التي يطرحها " شلتوت"، ولكنها تأتي بنهايات مغايرة لهذا المألوف التراثي، وهو ما نراه بوضوح في قصة " دم العصفور" و" حكاية المدينة التي أصبحت سجنا" و" مطاردة" و" تكوين" و" سفينة نوح"، التي ينثر فيها الكاتب العناصر التراثية بحرفية عالية داخل السياق المعاصر، ليجد المتلقي أنه يقف على أعتاب نص يستمد قوة حضوره من تلك القدرة على المزج بين التراثي والمعاصر لخلق حالة الدهشة التي تصاحبه بنهاية كل قصة.
وإذا كانت المجموعة القصصية " فاطمة لا ترقص التانجو" بقصصها التي بلغت ثلاثا وأربعين قصة قد انطوت على هذا القدر الهائل من التنويع في التقنيات الإبداعية لتشكيل عوالمها، فإن المشترك البارز في تلك القصص هو تجسيد العلاقة بين ذات الفرد ومجتمعه، وهذا المجتمع وعلاقاته بالسلطة في مختلف أشكالها، وتلك المسافة التي تحافظ على وجود الفرد في مقابل الآخر. إنها قراءة إبداعية عميقة لما خلف الظاهر من المجتمع، واتجاه واعٍ إلى تصويرها عبر شرائح إنسانية تشكل في مجموعها المجتمع البشري في أوضح صورة له.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك