الصفحة الثالثة عشرة : عادل السيوي.. نحات الوجوه والكلمات
سلسلة #مبدعو_أرض_الكنانة:
في البدء، لم أكن أقرأ له، بل كنت أقرأ فيه. أبحث في ترجمته عن قصد، أو سهو، أو كلمة زائدة، أو معنى منقوص، كما يفعل أي أكاديمي أمام نص يُفترض أن يُحاكم. لكنني، وأنا أنحني على الموازنات اللغوية بين الأصل الإيطالي والترجمة العربية، وجدت شيئًا آخر؛ وجدت أن عادل السيوي، حين يترجم، لا ينقل اللغة، بل يرسمها.
في غرفة المناقشة، كان الجميع يرون نصًا: إيطاليًا وعربيًا، وإخفاقات ونجاحات، واختياراتٍ معجمية، وقراراتٍ نحوية. أما أنا، فكنت أرى شيئًا مختلفًا. كنت أرى فنانًا في مختبره الخاص، يجرّب كيف تتحول الكلمة إلى لون، والصمت إلى مساحة، والفراغ إلى معنى. لم تكن ترجمته لديوان «الميناء المدفون» مجرد نقل من لغة إلى أخرى، بل كانت مرآة تكشف كيف يعمل عقل هذا الرجل الفنان. وكان السؤال الذي يشغلني مختلفًا عن أسئلة المناقشة الأكاديمية: ليس: «هل أخطأ أم أصاب؟»، بل: «لماذا ترجم بهذه الطريقة؟». والإجابة، كما اكتشفت لاحقًا، لم تكن مخبأة في القواميس، بل في لوحاته.
في فضاء الفن التشكيلي المصري المعاصر، يقف عادل السيوي حالةً فريدة لا تتكرر؛ يتكافأ فيها حسُّ الفنان مع وعي المترجم، فتصير اللوحة نصًا موازيًا، والترجمة لوحةً خفية. إنه ليس مجرد رسام يمسك الريشة فيخلق عالمًا، ولا مجرد مترجم ينقل الكلمة من ضفة إلى أخرى، بل جسر يمتد بين الأداتين، باحثًا عن الجوهر ذاته في كلتيهما، في رحلة تشكّلت بين القاهرة وميلانو، وبين عباءة الطبيب، وريشة الرسام، وقلم المترجم.
لكن الترجمة وحدها لا تكفي لفهم المترجم. علينا أن نذهب إلى ميلانو.
هناك، في ثمانينيات القرن الماضي، عاش عادل السيوي عقدًا كاملًا. لم يذهب ليدرس الترجمة، بل ذهب ليدرس الفن والحياة. تجول في المتاحف، وتنفس هواء المدينة التي شهدت إحدى أهم مراحل إبداع ليوناردو دا فينشي، وبدأ يترجم نصوصًا في الفن وتاريخه إلى العربية. لم تكن الترجمة عنده عملًا موازيًا للرسم، بل امتدادًا له. لقد صار «رسامًا للكلمات» قبل أن يصير مترجمًا للشعر. وحين وقع بين يديه ديوان «الميناء المدفون» لجوزيبي أونجاريتي، لم يجده غريبًا، بل وجد فيه روحًا شقيقة.
وأونجاريتي لم يكن شاعرًا يكتب الحرب من بعيد، بل عاشها في الخنادق، وخرج منها بلغة جديدة غيّرت وجه الشعر الإيطالي.
كتب قصائده قصيرة، مقتصدة، عارية إلا من جوهرها. ألغى علامات الترقيم، وفتّت البيت الشعري، وجعل من البياض والصمت عنصرين لا يقلان أهمية عن الكلمة نفسها. لم تعد الصفحة مجرد حامل للنص، بل أصبحت جزءًا من بنيته ومعناه. لذلك، فإن ترجمة هذا الشعر ليست تحديًا لغويًا فحسب، بل تحديًا بصريًا أيضًا؛ إذ يغدو الفراغ جزءًا من الدلالة، لا مجرد مساحة بيضاء.
وهنا، في هذه النقطة تحديدًا، تتجلى فرادة عادل السيوي.
لم يترجم الكلمات، بل ترجم المساحات التي بينها. ولم يكن التحدي الحقيقي في اختيار المفردة وحدها، بل في كيفية الحفاظ على الكلمة المنحوتة، وعدد الأسطر، وإيقاع الوقفات، والفراغ الذي يشارك الكلمة في صناعة معناها. هنا لم تعد الترجمة نقلًا للنص، بل محاولة لإعادة بناء معماره الشعري والبصري معًا.
د.شيرين النوساني
ولأنه رسام، أدرك أن ما لا يُقال في النص لا يقل أهميةً عما يُقال فيه. وعرف أن البياض في قصيدة أونجاريتي يشبه البياض في لوحته؛ ليس فراغًا، بل مساحة للدهشة. لذلك تصرّف في النص؛ فعمّم حيث كان الأصل يخصِّص، وأضاف حيث كان الأصل يصمت، وحذف حيث رأى أن العربية لا تحتاج إلى الزيادة.
والمفارقة أن هذا هو ما يفعله في لوحاته تمامًا.
تأمل وجوهه الممدودة؛ إنها، في جوهرها، وجوه منحوتة، كما نحت أونجاريتي كلماته. كلاهما يمارس فعل الحذف؛ يزيل الزائد حتى لا يبقى إلا ما لا يمكن الاستغناء عنه. وإذا كان أونجاريتي قد بحث عن «الكلمة المنحوتة»، فإن السيوي بدا وكأنه يبحث في لوحاته عن «الوجه المنحوت»؛ ذلك الوجه الذي يحتفظ بأقصى كثافة ممكنة من المعنى، بأقل قدر ممكن من التفاصيل.
يتسم أسلوبه بالوضوح المفاهيمي، وبضوء داخلي لا يأتي من خارج اللوحة، بل ينبعث منها. ينسج عوالمه من شبكة مرجعيات تمتد بين الأدب والسينما وتاريخ الفن. إنه لا يرسم الوجوه كما تراها العين، بل كما تتذكرها الروح. يمحو التفاصيل، ليبقى ما لا يمكن حذفه. أليس هذا ما فعله مع أونجاريتي؟ ألم يحذف من الترجمة ما رآه زائدًا في العربية، وأبقى على ما هو جوهري في الشعر؟
هكذا نصل إلى السر: عادل السيوي لا يترجم النص، بل يعيد خلقه بالطريقة نفسها التي يعيد بها خلق الوجه في لوحاته. الأداتان مختلفتان، لكن الفعل واحد: البحث عن الجوهر.
ولم يأتِ هذا العمق من فراغ. فقد درس السيوي الطب في جامعة القاهرة، ثم انتقل إلى ميلانو، وعاد محمّلًا بإرثين. هناك ترجم نصوصًا في الفن وتاريخه لليوناردو دا فينشي، وبول كلي، وكأنه يبني جسرًا بين ضفتي المتوسط، لا بالحجر، بل بالكلمة. ثم واصل مسيرة أوصلت أعماله إلى بينالي البندقية، والمتحف البريطاني، ومتحف غوغنهايم أبوظبي، ومتحف الفن العربي الحديث في الدوحة. إنه فنان بلغ العالمية دون أن يغادر جذوره المصرية.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يقترب من أونجاريتي؛ فكلاهما آمن بأن الجوهر لا يولد من الوفرة، بل من الحذف، وأن الصمت قد يكون أبلغ من الضجيج، وأن الفراغ قد يحمل من المعنى ما تعجز عنه الكلمات.
وهكذا، لا يكون عادل السيوي مجرد اسم في سجل التشكيليين العرب، بل تجربة حية للثقافة المصرية في أبهى تجلياتها: طبيب يبحث عن العلة الخفية تحت الجلد، ورسّام يبحث عن الجوهر تحت السطح، ومترجم يبحث عن الروح تحت الكلمات. ثلاثة مسارات في رحلة واحدة، وأداة واحدة هي البحث الدائم عما هو مدفون... ليُكتشف.
وفي كل مرة، يبقى ما لا يمكن حذفه: الجوهر. تبقى اليد التي ترى، والعين التي تلمس، والكلمة التي تشع كاللوحة، واللوحة التي تصمت كالقصيدة.
في المرة القادمة، بمشيئة الرحمن، سنلتقي بمبدع جديد من كنوز أرض الكنانة... فمن سيكون؟!!
تابعو
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك