من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​ "سفن الصحراء"..تتهاوى أمام قسوة الحرارة وتثير فزع الرعاة

القاهرة : خالد شحاتة
​



التغير المناخي يدفع الجمال إلى أقصى حدودها البيولوجية


​ ارتفاع درجات الحرارة وتتابع الموجات الخانقة في شمال وإفريقيا والقرن الإفريقي يكسران القدرة الأسطورية للجمال على التكيف، ومخاوف علمية من انهيار المنظومة الرعوية.

​ لطالما كُتبت الملاحم عبر التاريخ عن صمود الجمال؛ تلك الكائنات التي وُصفت بـ "معجزات التطور البيولوجي" وقدرتها الفائقة على تحمل العطش والجفاف في أعتى صحاري العالم.

لكن ما يشهده كوكب الأرض اليوم من تفاقم أزمة المناخ بدأ يتجاوز الحدود الفسيولوجية لهذه الحيوانات فائقة التحمل، ليضعها أمام اختبار بقاء غير مسبوق في مناطق شمال إفريقيا والقرن الإفريقي.

​في إقليم "عفار" شمال شرقي إثيوبيا — أحد أكثر أقاليم العالم حرارةً وجفافاً — لم تعد الرمال مجرد مأوى للجمال، بل تحولت إلى ما يشبه "المرجل المشتعل".

مع تجاوز درجات الحرارة حاجز الـ 50 درجة مئوية، يشهد الرعاة المحليون مظاهر إجهاد حراري لم يعهدوا لها مثيلا 

​"فقدتُ ثمانية من صغار الجمال  خلال شهر واحد فقط بسبب الحر الشديد. أجسادها تتهاوى، وعيونها تدمع باستمرار، وعندما تبرك على الرمال للراحة، تتسبب الحرارة الشديدة في احترق جلودها وتساقط شعرها."


​انهيار الآلية البيولوجية: كيف يكسر الحر الفائق جينات التكيف؟

​تعتمد الجمال في تكيفها مع البيئات القاحلة على نظام تقلب حراري فريد (Heterothermy)؛ إذ تسمح لدرجة حرارة أجسادها بالانخفاض ليلاً إلى نحو 34 درجة مئوية والارتفاع نهاراً لتصل إلى 41 درجة مئوية لتجنب التعرق وفقدان المياه.

​لكن دراسات حديثة صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) ومعهد أبحاث الثروة الحيوانية الدولي (ILRI) توضح أن هذا النظام البيولوجي يعتمد بالأساس على وجود فارق حراري بين الليل والنهار.

ومع تسجيل درجات حرارة ليلية قياسية لا تنخفض عن مستويات معينة، تفقد الجمال قدرتها على تفريغ الحرارة المخزنة في أجسادها، مما يؤدي إلى:

​الإجهاد الحراري التراكمي:

ارتفاع مستمر في درجة حرارة الجسم الداخلية تؤدي لخلل في وظائف الأعضاء.

​جفاف قرنية العين:

زوال الرطوبة الطبيعية بسب سرعة تبخر الدموع وموجات الغبار القاسية.

​تلف الجلد والأنسجة:

حروق شمسية مباشرة وإصابات جلدية نتيجة البروك على رمال تتجاوز حرارتها السطحية 70 درجة مئوية.

​أرقام وحقائق: التهديد يتجاوز الجمال ليطال الأمن الغذائي

​وفقاً لتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، فإن منطقة القرن الإفريقي وشمال إفريقيا تسجل معدلات ارتفاع في درجات الحرارة تتجاوز المتوسط العالمي بـ 1.5 مرة. هذا الارتفاع الحاد انعكس بشكل مباشر على قطاع الثروة الحيوانية.

تحذيرات خبراء البيئة:

دمار لشبكة الأمان الأخيرة

​أكد خبراء البيئة في القاهرة أن تأثر الجمال ليس مجرد ظاهرة بيولوجية عابرة، بل هو إنذار مبكر بانهيار خط الدفاع الأخير عن المجتمعات الرعوية في الصحراء. فالجمال كانت تُشكل "شبكة الأمان الاقتصادية" الأخيرة للرعاة عندما تتهاوى الأبقار والأغنام أمام الجفاف.

​ويرى الباحثون أن استمرار هذا المنحنى دون استراتيجيات تخفيف حقيقية — تتضمن توفير مظلات تبريد صحراوية، وحفر آبار مياه جوفية عميقة، وتطوير لقاحات ورعاية بيطرية مخصصة للتعامل مع أمراض الإجهاد الحراري — سيؤدي إلى موجات نزوح جماعي للرعاة نحو أطراف المدن، ممّا يفاقم من أزمات الهجرة المناخية والأمن الغذائي في المنطقة برمتها.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10301
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.