ثنائية السلام النفسي وعجز الذات والدلالة الرمزية للحمام في تحفة د أحمد إسماعيل
نوع من التواصل والتليباثية الأثيرية بين الابن الراوي السارد الذي يحكي قصته واستهلها بشآبيب التراحم بينه وبين الحمامة.. استلهمت عين النقادة حكايات إيسوب الشهيرة.. هنا ترمز لتقابل الأرواح وتقاربها، المشهد متسارع مع تعاظم وتيرة الحدث وتجذُْر المناخ العام في قفزة مشهدية تبرز الصراع وتعري غريزة الذات الإنسانية الحيوانية وضعفها وإذعانها لشهوة افتراس الحمام، لما عاد الصغير أدراجه بعد المدرسة ليجد دلائل صمنية على جريمة ما ( عتبة منزل تنزف). ثنائية لمفارقة ترتبط ارتباطا وثيقا بمنطق البشر ( الوفاء في مقابل الخيانة).. تناست الأم الرؤوم كل أواصر الحب أم ( الحاجة الملحة) للإشباع.. واتضح الأمر تصريحياََ على صفحة الصحن، حين أصبحت الحمامة جثة هامدة تتوسط الأرز ، لينبري هذا الذهول من الولد واللامبالاة من الأم عند تناول (الوليمة) وكأنها التفاتة ساتيرية كتكتيك سردي كتورية للمعنى الذي بدر لأذهاننا وهو (الوضيمة).. لقد غادرته الشهية وأصبح يعاني من (سعار روحي) لأنه يفتقر إلى ذلك الجناح المرفرف ولكنه تحدث أيضا عن عضال نفسي وهو تصحر الوجدان بعدما فقد كل معاني الحب المتبادل والوئام…
أهنئ القاص على تحفته الإبداعية الانموذج في إبراز المفارقة بين منطق الطير والإنسان وتمشهد هذا الانسلال الروحي، لكن زاوية النقد كانت ترتجي بعداََ آخر من الصراع ليكون أكثر تشويقاََ، لربما كانت النهاية متوقعة كحقيقة دامغة للسلوك الآدمي ولكن - ماذا لو أدرك البطل الراوي مآرب أمه قبل الحادث واستطاع تعميق مسرح الصراع الوجودي بين الرغبة والبقاء؟ أو ربما صنع من هذه الحمامة مهاجراََ يطير لأمد بعيد ولا يعود إلا بعد أعوام من تأنيب الضمير؟ في النهاية كانت تجربة شعورية اجتاحت الوجدان وتركت أثرا لا ينمحي وما وراء السطور كان أعظم.
---
نص القصة
الحمامة
عقدت أمي أواصر المودة مع حمامتها البيضاء حتى غدت كفردٍ من العائلة، يربطنا بها أنسٌ لا ينقطع. صارت تلك الروح الوديعة مستودع أسراري؛ أبثها زفرات حزني فتهدل مواساةً، وأشاركها ترانيم فرحي؛ فترفرف بهجةً.
ما زلتُ أذكر انحناءتي عليها بالأمس، حين همستُ لها وهي تنقر كفي بخفة: أيتها الصديقة، هل تدركين معنى أن يأتمنكِ إنسان على قلبه؟ فهزت رأسها وكأنها تفقه لغة الأرواح، وأطلقت هديلاً، لكنَّ الأمومة التي تمنح الحياة قررت اليوم سلبها.
عدتُ من مدرستي والروح تتوق لذاك الاستقبال المعهود، فصدمتني عتبة الدار وهي "تنزف". رأيت لون الدم على السلم كخيانةٍ غير متوقعة للوفاء. وحين حان موعد الغداء، وُضع الصحنُ أمامي، فإذا بصديقتي التي اعتادت مخاطبة وجداني صباح مساء، قد تحولت إلى جثةٍ صامتة فوق تلال الأرز.
تصلبت يدي، وعجزت ملامحي عن استيعاب "الوليمة". لقد غادرتني الشهية، واستوطن جوعٌ من نوعٍ آخر في أحشائي؛ إنه سُعارٌ روحي يتضور شوقًا لرؤية ذاك الجناح المبتهج، وذاك الصوت الدافئ وهو يبعث الطمأنينة في زوايا القلب الذي صار اليوم، في عيني، مقفرًا وموحشًا.
د أحمد عبدالله إسماعيل - مصر
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك