إيفاريست غالوا.. العبقري الذي روض الرياضيات في عشرين عامًا ثم قتلته مبارزة غامضة
قلّما يجود التاريخ بقصة تختصر معنى "العبقرية المبكرة" كما فعلت حياة الفرنسي إيفاريست غالوا، الذي لم يمهله القدر سوى عشرين عامًا وسبعة أشهر، كتب خلالها فصلًا كاملًا في تاريخ الرياضيات لم يفهمه معاصروه، لكن الأجيال اللاحقة اعتبرته أساسًا لا غنى عنه في الجبر الحديث.
من مولده إلى أول اصطدام بالنظام التعليمي
وُلد غالوا في 25 أكتوبر 1811 في بلدة بور-لا-رين قرب باريس، لأسرة مثقفة لكن بلا أي ميل للرياضيات؛ فقد كان والده نيكولا غابرييل غالوا رجلًا جمهوريًا معروفًا تولى منصب عمدة البلدة، بينما تولّت والدته تعليمه بنفسه حتى بلغ الثانية عشرة، فلقّنته اللاتينية واليونانية والدين، إلى جانب جرعة من التشكك الفكري تركت أثرها في شخصيته لاحقًا.
في سن الثانية عشرة التحق غالوا بمدرسة "ليسيه لويس لوغران" الشهيرة في باريس، وتفوّق في البداية بمادة اللاتينية، قبل أن يفقد شغفه بها تمامًا، إذ لم يجد ما يأسر اهتمامه إلا الرياضيات، التي اكتشف نبوغه فيها حوالي عام 1825، أي وهو في الرابعة أو الخامسة عشرة من عمره، حين انكبّ على قراءة أعمال عمالقة مثل ليجاندر ولاغرانج بنفسه خارج المنهج الدراسي.

اللافت أن هذا النبوغ الاستثنائي لم يشفع له أمام الامتحانات الرسمية؛ فقد رسب غالوا مرتين في اختبار القبول بمدرسة "البوليتكنيك" المرموقة، ما اضطره للالتحاق بمدرسة أقل شهرة.
أوراق ضائعة وعلماء لم يفهموا العبقرية
بدأ غالوا في سن مبكرة جدًا بتقديم أبحاثه إلى كبار علماء الرياضيات في أكاديمية العلوم الفرنسية، لكن القدر لم يكن في صفه: فقد أضاع عالم الرياضيات أوغستان كوشي إحدى أوراقه البحثية، ثم تكرر الأمر حين أخذ عالم آخر هو جوزيف فورييه بحثًا لغالوا إلى منزله ليقيّمه، لكنه توفي بعد ذلك بوقت قصير قبل أن يُعثر على الورقة. وحين وصلت أعماله إلى لجان تحكيمية ضمّت علماء بارزين مثل سيميون دوني بواسون، عجز هؤلاء عن استيعاب عمق أفكاره الرياضية.

هذا الرفض المتكرر لم يثنِ غالوا عن مواصلة أبحاثه، لكنه دفعه في الوقت ذاته نحو مسار سياسي متصاعد.
من الرياضيات إلى السياسة الثورية
شهدت فرنسا عام 1830 اضطرابات سياسية كبرى بلغت ذروتها في "ثورة يوليو"، وقد شارك غالوا فيها بحماس بوصفه جمهوريًا متحمسًا. فحين أقدم مدير المدرسة التي كان يدرس بها على حبس الطلاب داخل المبنى لمنعهم من الانضمام للمظاهرات، وجّه غالوا انتقادًا علنيًا لهذا القرار، ما أدى إلى طرده من المدرسة في مطلع عام 1831.
لم يتراجع غالوا، بل انخرط أكثر في العمل الجمهوري، حتى أُلقي القبض عليه لارتدائه زي المدفعية الجمهورية المحظور، واعتُقل مجددًا خلال مظاهرة جمهورية في 14 يوليو 1831. ورغم قضائه فترات في السجن، واصل مراجعة أبحاثه في نظرية المعادلات والعمل على الدوال الإهليلجية.
في مارس 1832، ومع إعلان انتشار وباء الكوليرا في باريس، نُقل غالوا إلى دار نقاهة، حيث واصل أبحاثه وكتب مقالات في فلسفة العلم، لكنه دخل أيضًا في علاقة عاطفية انتهت بشكل مؤلم، ما أدخله في حالة من الاكتئاب الشديد.
المبارزة التي أنهت كل شيء
تفاصيل المبارزة التي أودت بحياة غالوا لا تزال محل جدل بين المؤرخين حتى اليوم. فبينما تشير بعض الروايات إلى خلاف عاطفي مرتبط بتلك العلاقة العاطفية المنتهية، تذهب روايات أخرى إلى احتمال وجود دوافع سياسية وراء المبارزة. لكن الأرجح وفق عدد من الباحثين أنها كانت "مسألة شرف" تقليدية بين رجلين تنافسا على امرأة، دون دليل قاطع على وجود مؤامرة سياسية منظمة خلفها.

المؤكد أن غالوا أدرك في 29 مايو 1832 أنه مقبل على الموت، فكتب في الليلة السابقة للمبارزة رسائل يائسة إلى أصدقائه الجمهوريين، ورتّب أوراقه البحثية على عجل، طالبًا من أحد أصدقائه نشر أعماله في حال مقتله. وقد أُطلق عليه الرصاص في 30 مايو 1832 فأصيب إصابة بالغة في البطن، ليتوفى في اليوم التالي، 31 مايو 1832، عن عمر لم يتجاوز العشرين عامًا وسبعة أشهر.
إرث بقي حبيسًا لأربعة عشر عامًا
لم يتجاوز ما تركه غالوا من أوراق بحثية مئة صفحة، لكنها كانت كافية لتغيير وجه الرياضيات. فقد كان أول من استخدم مصطلح "الزمرة" (Group) بمعناه التقني الدقيق في الرياضيات، وقدّم حلًا لمشكلة عمرها 350 عامًا: تحديد الشروط التي تجعل من الممكن حل معادلة جبرية عامة باستخدام الجذور (الحلول الجذرية)، وهي المسألة التي عجز عن حلها كبار علماء عصره.
ولأن أعماله لم تُفهم في حياته، ظلت حبيسة الأدراج قرابة أربعة عشر عامًا بعد وفاته، إلى أن أعاد عالم الرياضيات الفرنسي جوزيف ليوفيل دراستها بعناية، فسدّ بعض الثغرات فيها، ونشرها عام 1846 في مجلته العلمية، ليدرك العالم أخيرًا حجم ما خسره برحيل هذا الشاب المبكر.
اليوم، يحمل فرع كامل من الجبر المجرد اسم "نظرية غالوا" (Galois Theory)، ويُدرَّس في أرقى الجامعات حول العالم، بوصفه أحد أعمدة الرياضيات الحديثة، بينما لا يزال اسم صاحبه يُستحضر كرمز لمأساة العبقرية التي وُلدت قبل أوانها ولم يفهمها زمانها.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك