عندما يكون المسؤول إنساناً
ليست قيمة المسؤول فيما يحمله من لقب ولا فيما يتقلده من منصب ، و إنما فيما يتركه من أثر في قلوب الناس . فالمناصب تمنح السلطة ، أما الإنسانية فلا يمنحها إلا القلب .
لفت انتباهي موقف بسيط في تفاصيله ، عظيم في معناه … عندما أجرى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر إتصالاً بالطالبة سما ليهنئها بتفوقها وحصولها على المركز الأول في الشعبة الأدبية .

وبعد إبلاغها بالنتيجة و تهنئتها تحدث إلى والدتها وبعد كلمات التهنئة ، قالت بعفوية صادقة تمثل كل أم : “يا فضيلة الإمام… ممكن تشوفلي نتيجة سلمى؟ دي أختها التوأم، وهي في الشعبة العلمية .”
كان بإمكان أي مسؤول أن يعتذر بلطف أو يحيل الأمر إلى أحد معاونيه ، فجدول أعماله لا بد أن يضج بالالتزامات والاتصالات . لكن المسؤول الحقيقي لا يقيس المواقف بحجمها بل بأثرها في نفوس أصحابها .
أدرك أن فرحة الأم لن تكتمل إلا إذا اطمأنت على ابنتها الثانية، فطلب إحضار النتيجة، وانتظر بنفسه حتى ظهرت، ولم يغلق المكالمة .
وحين علم أنها حصلت على 96%، بادرها قائلاً : “مبروك… كل الكليات مفتوحة أمامها .”
كانت كلمات قليلة ، لكنها صنعت فرحتين في بيت واحد، وأكدت أن الاهتمام بالناس لا يحتاج إلى وقت طويل، بل إلى قلب حاضر .

ولم ينته الموقف عند هذا الحد، بل سأل عن والد الفتاتين وحين أخبرته الأم أنه غير موجود ، قال في تواضع لافت : "سلمي لي عليه وقولي له فلان بيسلم عليك " .
لم يحتج أن يسبق اسمه بلقبه ، ولم يستند إلى مكانته الرفيعة ، لأن الإنسان كلما علت أخلاقه استغنى عن التعريف بنفسه، وصارت سيرته هي التي تتحدث عنه .
إن القيادة ليست أوامر تُصدر ولا هيبة تُفرض ، وإنما هي رحمة تُشعر الناس بالأمان ، وتواضع يجعلهم يرون في المسؤول إنساناً قبل أن يروا فيه صاحب منصب .
وقد قال رسول الله ﷺ:
«وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله.» رواه مسلم.
وقال تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾
[الفرقان: 63].
إن الأمم لا تنهض بالمناصب وحدها ، بل ترتقي حين يجتمع المنصب مع الخلق ، والسلطة مع الرحمة ، والمكانة مع التواضع .
فحين يكون المسؤول إنساناً … يصبح حضوره رسالة ، وكلماته أثراً ، ومواقفه دروساً تبقى في الذاكرة، لأن أعظم ما يخلده الإنسان ليس ما شغله من منصب ، بل ما زرعه من إنسانية في قلوب الآخرين .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك