أمن المياه.. من "عبء استراتيجي" إلى ورقة اقتصادية تُحسب في التصنيف الائتماني للدول
كيف حوّلت دول الخليج ندرة المياه إلى ميزة تنافسية تدعم النمو وتجذب الاستثمارات؟
شرع أمن المياه يفرض نفسه كمتغير جديد في معادلات التصنيف الائتماني السيادي، بعدما كان يُنظر إليه تقليدياً كملف بنية تحتية أو بيئية بحتة.
وفقا لتقرير حديث لوكالة "موديز" للتصنيف الائتماني، فإن الاعتماد الهيكلي لدول الخليج على تحلية مياه البحر لتأمين احتياجاتها من المياه العذبة يمثل "مخاطرة أمنية حيوية"، إذ إن أي اضطراب في الوصول إلى المياه قد ينتقل بسرعة عبر الأنظمة الاقتصادية التي تعاني أصلاً من ضغوط ناجمة عن التوترات الإقليمية المستمرة.
اعتماد شبه كامل على التحلية
تُعد دول مجلس التعاون الخليجي من أكثر مناطق العالم شحاً في المياه، وتعتمد بشكل كبير على تحلية مياه البحر لتأمين إمدادات مياه الشرب، حيث تحصل بعض الدول على غالبية احتياجاتها المائية من هذه المنظومة.
وبحسب بيانات حديثة، تنتج دول الخليج مجتمعة نحو 40% من إجمالي المياه المحلاة عالمياً، عبر أكثر من 400 محطة تحلية موزعة على سواحلها.

وعلى المستوى الفردي، تشير بيانات "موديز" إلى أن قطر تغطي أكثر من 40% من إجمالي طلبها على المياه العذبة عبر التحلية، بدعم حكومي كبير لتغطية تكاليف الإنتاج، في حين تغطي الإمارات نحو 48% من طلبها على مياه الشرب عبر التحلية، وتواصل توسيع طاقتها الإنتاجية رغم التكاليف البيئية المرتفعة، فيما تعتمد الكويت والبحرين اعتماداً كبيراً على التحلية لمواجهة الإجهاد المائي.
من التهديد إلى الميزة.. شرط الاستثمار المبكر
اللافت في تحليل "موديز" أنه لا يحصر أمن المياه في خانة المخاطر فقط، بل يربطه مباشرة بالقدرة المالية والسياسات الحكومية. فالوكالة ترى أن الحكومات التي تمتلك سياسات وإجراءات قوية لإدارة المياه، إلى جانب قدرة تمويلية كافية، ستكون أقدر على احتواء تبعات الإجهاد المائي وتجنب الضغوط الائتمانية المرتبطة به، وعلى رأس هذه الدول تأتي البحرين وقطر والإمارات إلى جانب سنغافورة.
وفي تقرير أحدث صدر في يونيو/حزيران الماضي، شددت "موديز" على أن المرونة المالية ستكون الفيصل بين الدول الرابحة والخاسرة في ملف المياه مستقبلاً، موضحة أن الجهات التي تستثمر مبكراً في إجراءات المرونة المائية -مثل خفض الفاقد وتقنيات التحلية وإعادة التدوير وتوسيع التخزين- ستكون أقدر على الحفاظ على استمرارية الخدمة وتجنب الإنفاق الطارئ.
كما رصدت الوكالة ضغطاً متناميا من قطاعات كثيفة الاستهلاك المائي مثل صناعة أشباه الموصلات والصناعات الثقيلة والزراعة، إضافة إلى التوسع السريع في مراكز البيانات المرتبط بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي كمصدر طلب ناشئ رئيسي.
جدير بالذكر أن الاستثمارات الضخمة التي ضختها دول الخليج على مدى عقود في بنية تحلية متقدمة لم تعد مجرد إنفاق تشغيلي، بل تحولت إلى أصل استراتيجي يمنح هذه الدول موقعاً تفاضلياً أمام وكالات التصنيف مقارنة بدول أخرى مماثلة في مستوى الشح المائي لكنها أقل استثماراً في البنية التحتية.
خطوط الدفاع: التخزين والربط المائي
في مواجهة مخاوف الانقطاع، بدأت دول الخليج ببناء طبقات دفاع إضافية تتجاوز محطات التحلية نفسها. فقد أشار تقرير "موديز" إلى أن قطر تمتلك احتياطيات استراتيجية مصممة لتوفير نحو سبعة أيام من إمدادات مياه الشرب، بينما وضعت السعودية أهدافاً مماثلة تستهدف تحقيقها بحلول عام 2030.
كما تراهن دول المنطقة على المرونة التشغيلية عبر الربط بين المحطات واستخدام مياه الصرف المعالجة، كأدوات إضافية للتخفيف من أثر أي اضطرابات محلية.
الوجه الآخر: هشاشة جيوسياسية لا يمكن تجاهلها
في المقابل، لا يمكن فصل هذا التحول عن السياق الجيوسياسي المتوتر الذي تشهده المنطقة ،فمحطات التحلية باتت أهدافاً مباشرة في التصعيد العسكري الأخير؛ إذ سبق أن تعرضت محطة تحلية في الكويت لهجوم إيراني تسبب في أضرار طالت منشأة الطاقة الخاصة بها، فيما اتُّهمت الولايات المتحدة من جانب إيران باستهداف محطة تحلية قرب جزيرة قشم أثّرت على إمداد عشرات القرى بالمياه.
هذه الحوادث تكشف أن الاعتماد المتزايد على التحلية، رغم ما يمنحه من ميزة تنافسية في أوقات الاستقرار، يبقى نقطة ضعف محتملة إذا تصاعدت المواجهات العسكرية في المنطقة.
الخلاصة
يتضح أن أمن المياه في الخليج تحوّل إلى معادلة مزدوجة: فمن جهة، صار الاستثمار الضخم في التحلية والتخزين والربط المائي عاملاً يعزز الثقة الائتمانية ويجذب المستثمرين إلى اقتصادات المنطقة، ومن جهة أخرى يبقى هذا الاعتماد الهيكلي عاملَ خطر إستراتيجي في ظل أي تصعيد عسكري أو اضطراب جيوسياسي. والفيصل، بحسب وكالات التصنيف، هو استمرار ضخ الاستثمارات المبكرة في مرونة البنية التحتية المائية، وهو ما يفسر لماذا باتت خطط مثل الربط المائي الخليجي الموحّد -رغم تأخرها لأكثر من 13 عاماً- تُطرح اليوم بإلحاح متجدد كأولوية أمنية واقتصادية معاً.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك