من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

المرأة العربية في مواجهة الهيمنة

د. محمد عبدالله القواسمة
المرأة العربية في مواجهة الهيمنة



ظهرت في العالم العربي، الملامح الحديثة للحركة النسائية في مواجهة الهيمنة الذكورية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ونهضت الصحافة بدور مهم في الدفاع عن المرأة، والحديث باسمها بدلًا من الرجل، ففي سنة 1892 أنشأت هند نوفل مجلة "الفتاة" في مدينة الإسكندرية. واهتمت المجلة بقضايا المرأة وتعليمها. 

وفي سنة 1923 لجأت الحركة النسائية إلى جمع النساء في تنظيم اجتماعي وسياسي تحت مسمى الاتحاد النسائي المصري، وتولت رئاسته هدى شعراوي، واهتم الاتحاد بتعليم النساء وإصلاح أوضاعهن القانونية والاجتماعية.

وتنامى الوعي لدى المرأة بانتشار المدارس والطباعة والصحافة، وظهور الحركات الوطنية المقاومة للاستعمار؛ فشاركت المرأة في الاحتجاجات والتظاهرات المطالبة بالتحرر من القيود كافة.

إنجازات 

بعد زوال الاستعمار حققت المرأة إنجازات مهمة في العالم العربي، لكنها متفاوتة بين دولة وأخرى، فشهدت بعض الدول إصلاحات كبيرة في التعليم والعمل والقانون، وفي دول أحرى واجهت المرأة التراجع الواضح في الحقوق والأمان، وبخاصة بمناطق الحروب واللجوء والفقر. وتتمثل التي حققتها المرأة في النواحي الآتية:

1. تقدم واسع في التعليم والعلوم.

حضرت المرأة العربية بقوة في الجامعات وكليات الطب والصيدلة والهندسة، وبرزت في التعليم والبحث العلمي. وتمثّل المرأة حسب بيانات اليونسكو الحديثة، نحو41 % من العلماء والباحثين في الدول العربية.

لكن التفوق الدراسي للمرأة لم يتحول دائمًا إلى قيادة جامعية أو استقلال اقتصادي، ففي حالات كثيرة تواجه بعد تخرجها من الجامعة قيود الأسرة، أو صعوبة إيجاد العمل، أو تفضيل الرجال خاصة في المناصب العليا. 

2. ارتفاع المشاركة السياسية.

أظهرت المرأة العربية مقدرتها على المشاركة السياسية، وليس فقط على إدارة المنزل وحدها، فارتفعت حصتها في البرلمانات العربية، حسب بيانات اليونسكو من 3.8 %سنة 2000 إلى 17.7% سنة 2024، كما ساهمت أنظمة الحصص الانتخابية في إدخال نساء كثيرات المجالس النيابية والبلدية. كما أصبحت المرأة وزيرة وقاضية وسفيرة ورئيسة حكومة وعضوًا في المجالس التشريعية والبلدية. 

من الملاحظ أن ما حققته المرأة في هذا المجال كان أدنى من المتوسط العالمي، مما زاد من ضعف تأثيرها الفعلي في القرار، ومن استقلالها عن الأحزاب والسلطات السياسية.

3. إصلاح قوانين الأسرة.

لعل محاولة تغيير القوانين، التي تكرس الزوج رئيسًا مطلقًا للأسرة من أهم الإنجازات التي حققتها المرأة العربية، من خلال نشاطات الجمعيات النسائية. ففي المغرب، على سبيل المثال، أدخلت مدونة الأسرة سنة 2004 تغييرات مهمة، منها: تعريف الزوجين بأنهما شريكين في مسؤولية الأسرة، ورفع السن القانوني للزواج إلى 18 عامًا، وتوسيع حقوق المرأة في الطلاق، والحد من تعدد الزوجات.

4. سن قوانين لمقاومة العنف. 

أقرت عدة دول عربية خلال هذا القرن قوانين وتعديلات لحماية المرأة من العنف الأسري والتحرش، ومن أبرزها القانون التونسي رقم 58 لسنة 2017، الذي يمنع العنف بأشكاله كافة: الجسدي والنفسي والاقتصادي والجنسي. كما تبنت الجزائر وتونس والمغرب قوانين تتعلق بمواجهة العنف ضد المرأة بوصفه اعتداء من الرجل، وليس من حقه التأديبي. 

5. توسيع فرص العمل والمهن.

دخلت المرأة العربية قطاعات جديدة من العمل والمهن، فأنشأت شركات ومبادرات ومشروعات رقمية، وأصبحت محامية وقاضية وباحثة ومديرة ومشرفة ومهندسة. ففي الأردن، شملت الإصلاحات الحديثة إزالة بعض القيود على عمل المرأة في المؤسسات الصناعية، وحظر التحرش الجنسي، ومنع التمييز ضدها في العمل. 

كما شهدت السعودية إصلاحات قانونية وبرامج لدعم التوظيف، وتوسيع طلب القطاع الخاص على عمل المرأة، فتضاعفت مشاركة المرأة الاقتصادية؛ في سوق العمل أكثر من مرة بين الأعوام 2017 - 2023.

لكن تظل هذه المشاركة منخفضة، كما تشير بيانات البنك الدولي، إذ تبلغ نحو 19% مقابل 73% للرجال، مقارنةً بنحو 49% للنساء عالميًا.

6. إنشاء فضاء رقمي نسائي مستقل.

أتاحت الصحافة والإنترنت، ووسائل التواصل للمرأة العربية أن تتكلم بنفسها عن تجربتها بعيدًا عن الرجل، فكسرت بذلك بعض عزلتها، وزاد وعيها بالمطالبة بالإصلاح مع غيرها من النساء. 

معوقات 

تواجه المرأة في المجتمع العربي جملة من المعوقات، التي تحدّ من قدرتها على التخلص من هيمنة الرجل، وهي معوقات مترابطة ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وقانونيًا، وليست ناتجة عن ضعف المرأة في ذاتها، ومن أبرزها:

1. الثقافة الأبوية.

تمنح بعض البيئات الاجتماعية سلطة واسعة للرجل على المرأة في لأسرة والمجتمع، فهو صاحب القرار والحماية والإنفاق، وعليها الطاعة والتبعية، وللأسف تنتقل هذه الأفكار من جيل إلى آخر من خلال التربية، والعادات والتقاليد، والأمثال الشعبية، والصور النمطية.

2. التنشئة الاجتماعية غير المتكافئة.

في حالات يُمنح الابن منذ طفولته حرية أكبر من البنت في الحركة والاختيار والتجربة، وتُفرض عليها قيود أشد، بحجة الخوف، أو المحافظة على سمعة الأسرة. وهذا يضعف من ثقة المرأة بنفسها واستقلالها وقدرتها على اتخاذ القرار.

3. التبعية الاقتصادية.

إن غياب الدخل المستقل للمرأة يجعلها أكثر ارتباطًا بالأب أو الزوج، أو غيرهما من أفراد الأسرة. مما يدفعها إلى قبول السيطرة، والمعاملة غير العادلة خوفًا من فقدان السكن، أو النفقة، أو الأمان المادي.

4. ضعف المشاركة في صنع القرار.

ما تزال مشاركة المرأة محدودة في بعض مواقع القيادة السياسية والاقتصادية والنقابية والإدارية، وهو ما يجعل القرارات المؤثرة في حياة المرأة تُتخذ أحيانًا من دون تمثيل كافٍ لتجاربها واحتياجاتها.

5. الأعراف الاجتماعية والخوف من كلام الناس.

قد تُدان المرأة اجتماعيًا عندما تطالب بحقوقها، أو تعترض على الظلم، وتوصف بالمتمردة، أو المهددة لاستقرار العائلة. ويؤدي الخوف من الوصمة الاجتماعية إلى صمت كثير من النساء عن التمييز أو الإساءة.

6. استخدام الدين بطريقة منحازة.

ليست المشكلة في الدين نفسه، بل في بعض القراءات التي تخلط بين التعاليم الدينية والعادات الموروثة، ويستخدم مفهوم الطاعة لتبرير إلغاء شخصية المرأة، أو منعها من التعليم، والعمل، والمشاركة العامة.

7. ضعف تطبيق القوانين.

تواجه المرأة صعوبة في الوصول إلى العدالة، حتى مع وجود القوانين التي تحميها، بسبب بطء الإجراءات، أو الخوف من تقديم الشكوى، أو الضغط العائلي، أو ضعف المعرفة القانونية، أو عدم تطبيق القوانين بصورة متساوية.

8. الصورة النمطية في الإعلام.

تُصور بعض الأعمال الإعلامية المرأة ضعيفة تابعة، أو مجرد موضوع للجمال، أو مسؤولة وحدها عن نجاح الأسرة وفشلها. وتُسهم هذه الصور في تثبيت الأدوار التقليدية للمرأة بدلًا من تغييرها.

9. تحميل المرأة مسؤولية الأسرة.

تُكلَّف المرأة غالبًا بتربية الأطفال، والعمل المنزلي، ورعاية كبار السن، حتى لو كانت تعمل خارج البيت. وهذا العبء المزدوج يقلل من وقتها للتعلم والتطور والمشاركة المجتمعية.

10. العنف والتهديد به.

العنف الجسدي أو النفسي أو الاقتصادي وسيلة من وسائل فرض السيطرة. وقد يشمل الإهانة، والتهديد، ومنع العمل، والتحكم في المال، أو العلاقات الاجتماعية. والخوف من العنف يمنع المرأة أحيانًا من الاعتراض أو الاستقلال.

11. محدودية فرص التعليم والعمل.

المعروف أن من أهم وسائل الاستقلال التعليم والعمل، لكن بعض النساء يواجهن الانقطاع عن الدراسة، أو التمييز في التوظيف والأجور والترقية، وصعوبة التوفيق بين العمل والمسؤوليات المنزلية. 12. مشاركة بعض النساء في إعادة إنتاج الهيمنة.

في أحيان كثيرة تقف المرأة إلى جانب الرجل في هيمنته على المرأة، فتمارس القيود التي عانت منها على بنتها أو زوجات أبنائها. ربما لانعدام الوعي، أو سوء التربية، أو الخوف من الأب أو الزوج، أو الاعتقاد بالعادات المتخلفة، وفي هذا دلالة واضحة على أن جينات التخلف والظلم قد يحملها الرجل والمرأة معًا.

خاتمة

إن خروج المرأة من عباءة الرجل وهيمنته لا يعني أن تحيل علاقتها بالرجل إلى علاقة صراع، أو استبدال ظلم بظلم، بل إلى علاقة شراكة على أساس من المساواة والاحترام المتبادل والتعاون في تحمل المسؤولية. وهذا يتطلب أن يتحقق للمرأة التعليم العادل، والاستقلال الاقتصادي، والحماية القانونية، والتربية الأسرية السليمة، والمشاركة الحقيقية في صنع القرار.

لعل وصول المرأة إلى تحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى إزالة المعوقات السابقة، التي تتلخص في إزالة الفكرة المتخلفة بأن المرأة قاصرة عقلًا ودينًا، وأن منزلتها في البيت، ووظيفتها رعاية الأطفال وتربيتهم، وأن صوتها عورة، ووجودها فقط لخدمة الرجل، ووصفها بمقياسه حتى يقال في مجتمعنا في وصف المرأة بالشجاعة بأنها أخت رجال، والقول عنها إذا أحسنت أنها تتفوق على الرجل، وكأن المقياس فيما تتمتع به من صفات حميدة هو الرجل. وغاب عن الجميع أن العصر الذي نعيش فيه، عصر التكنولوجيا الرقمية تغير فيه كل شيء، حتى معاني القوة والرجولة والعمل.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10329
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.