رؤية ذائقية لرواية " اعترافات البيدق الأخير" للأديب البحريني أحمد المؤذن
من أكثر الأوهام رسوخًا أن يظن الإنسان نفسه صانعًا لكل قراراته، بينما تكشف الحياة بين حين وآخر أن كثيرًا مما نعده اختيارًا ما هو إلا استجابة لأمور احكمت حصارها علينا .
ولعل المأساة الحقيقية لا تبدأ حين يفقد الإنسان حريته ، بل حين يفقد وعيه بأنه فقدها ، من هنا لا يصبح إلا خطوة محسوبة في لعبة أكبر منه .
من هذا الأفق الفلسفي تنطلق رواية " اعترافات البيدق الأخير " ، فلا تكتفي بتناول ظاهرة الجماعات والتنظيمات المتطرفة بوصفها حدثًا سياسيًا أو اجتماعيًا ، وإنما تنفذ إلى ما هو أعمق ، إلى الإنسان الذي يتحول بفعل الخوف ، أو الوهم ، أو الحاجة إلى الانتماء ، من ذات تمتلك حق الاختيار إلى بيدق يُحرك على رقعة لا يرى منها إلا موضع قدميه.
ليست " اعترافات البيدق الأخير " رواية عن الإرهاب بالمعنى التقليدي الذي ينشغل بتوثيق الأحداث أو رصد التنظيمات ، بقدر ما هى رواية عن الإنسان حين يُصبح مادة سهلة لإعادة تشكيل وعيه. فمنذ العنوان يضع الكاتب القارئ أمام مفتاح تأويلي لا ينبغي تجاوزه ، فكلمة " اعترافات " توحي اننا لسنا أمام راوٍ يحكي وقائع فحسب ، بل أمام إنسان يُعيد محاكمة نفسه ، ويسترجع لحظات سقوطه واكتشافه المتأخر للحقيقة ، اما " البيدق الأخير " فلا يُحيل للُعبة الشطرنج بوصفها لُعبة ، بل استعارة لحياة كاملة ، فالبيدق هو القطعة الأقل شأنًا ، والأكثر قابلية للتضحية، لا تتحرك بإرادتها ، وإنما وفق إرادة اللاعب الذي يدفع بها إلى مقدمة المعركة ، بينما يبقى هو في الخلف بعيدًا عن الخطر، وهكذا يختزل العنوان رؤية الرواية ، فالتنظيمات المتطرفة لا تبحث عن لاعبين بقدر ما تبحث عن بيادق تنفذ وتضحي دون أن تدرك كامل الرقعة التي تتحرك فوقها.
ولا يُقدم الكاتب بطله بوصفه شابًا فقيرًا او جاهلًا ، بل على العكس فهو شاب متعلم ، نشأ في بيت مرفه ، واحاطه والده بالرعاية والدلال ، وهذه البداية تكسر الصورة النمطية التي تربط التطرف بالفقر أو الجهل وحدهما، لتطرح سؤالًا أكثر عمقًا : هل يكفي التعليم لحماية الإنسان من الوقوع في فخ الفكر المُغلق ؟ ، تُجيب الرواية ضمنيًا بالنفي ، فالمعرفة وحدها لا تكفي إذا غابت القدرة على التفكير النقدي ، لقد امتلك البطل العلم ، لكنه افتقد مناعة السؤال ، وكان ضعفه النفسي واستعداده للإنقياد أقوى من ثقافته، فصار ينتظر مَن يُحدد له الطريق ، بدلًا أن يرسمه بنفسه.

ومن هنا لم تعني الرواية بتبرير الإرهاب ، او البحث عن أعذار للأرهابي ، وإنما بتفكيك الآلية التي يتحول بها الإنسان إلى أداة .
ولذلك يترك الكاتب القارئ أمام سؤال بالغ الحساسية : هل التعاطف مع الإرهابي بوصفه إنسانًا وقع ضحية الاستقطاب ، يعد تبريرًا لجريمته ؟ أم أن فهم الدوافع النفسية والإجتماعية يختلف عن تبرير الفعل ؟ ، ولا تفرض الرواية إجابة جاهزة ، بل يترك القارئ في مواجهة هذا السؤال ، يحسب للرواية انها تُثير التفكير أكثر من المواقف.
ويمتد هذا البعد الفلسفي إلى سؤال آخر لا يقل قسوة : إلى أى مدى يستطيع الخوف من السلطة أن يدفع الإنسان إلى الهروب نحو مصير أكثر ظُلمة ؟ ، لقد فر البطل من واقع خشي عواقبه ، فإذ به يقع في قبضة تنظيم صادر إرادته.
وكأن الرواية تقول ان الإنسان قد يهرب من خوف ، ليجد نفسه أسير خوف أكبر. ولم يكن البطل في معظم مراحل الرواية صاحب قرار حاسم ، بل بدأ أسير صراعه الداخلي، يراجع نفسه ويتردد، لكنه لا يمتلك القدرة على الفعل ، وهنا تكمن إحدى مآسي الشخصية : فالسلبية لم تكن سمة عابرة ، بل كانت احد الأسباب التي جعلته يتحول إلى بيدق في لُعبة اكبر منه .
وقد أحسن الكاتب توظيف البناء السردي لخدمة هذه الرؤية ، ففي الفصول الأولى يتولى البطل بنفسه رواية الأحداث ، فتأتي العبارات مشبعة بالانفعال الذاتي ، فيقترب القارئ من وعي الشخصية، يرى العالم بعينيها ويشاركها لحظات الانبهار والانخداع ، ثم بداية الشك ، غير أن الرواية لا تظل حبيسة هذا المنظور ، إذ تنتقل لاحقًا إلى شخصيات أخرى تتولى السرد ، فتروي ما لم يكن البطل يعرفه ، وتكشف تفاصيل ظلت غائبة عنه ، وبهذا الانتقال تتسع مساحة الرؤية ، ويصبح القارئ أكثر علمًا من البطل نفسه ، فيتأكد المعنى الذي يوحي به العنوان ، فالبيدق لا يرى إلا المربع الذي يقف عليه ، بينما تظل الرقعة الكاملة بعيدة عن إدراكه.
ويمنح هذا التعدد في الأصوات في الرواية بناءًا بصريًا يقترب كثيرًا من لغة السينما ، فالفصول أو "اليوميات " لا تبدو مجرد تقسيمات زمنية ، وإنما مشاهد متتابعة ، تنتقل فيها الكاميرا السردية من شخصية إلى أخرى ، ومن زمن إلى آخر، عبر ما يشبه المونتاج السينمائي، فلا يشعر القارئ بأنه ينتقل بين رواة متفرقين ، بقدر ما يشعر بأنه يشاهد المشهد نفسه من زوايا متعددة ، وهى تقنية نجح الكاتب في توظيفها لإعادة تركيب الحقيقة تدريجيًا، بحيث لا تكتمل الصورة إلا في ذهن القارئ.

ورغم إحكام هذا البناء في معظم الرواية، فإن أحد التحولات الرئيسية جاء أقل أقناعًا من الناحية النفسية ، فالبطل يُقدم منذ البداية بوصفه الابن المدلل الذي أحاطه والده بالرعاية والحنان ، غير أن هذه العلاقة تنقلب فجأة عقب تسلله عبر الحدود ، واتهامه بالأرهاب ، فتتنكر له الأم وترفض بأن تعرف " بأم طلال " ، بينما يُسارع الأب بنشر إلى نشر إعلان بالصحف ينفي فيه نسبه إليه ، مدعيًا انه ابن سائق كان يعمل عنده بالوكالة ، مستندًا لشهادة ميلاد، ورغم قوة هذا المشهد دراميًا ، فإن الرواية لم تمنح القارئ تمهيدًا كافيًا يفسر هذا التحول الحاد ، او يكشف حجم الضغوط التي دفعت الأبويين إلى انكار ابنهما، وكان يمكن لهذا الجزء أن يكون أكثر تأثيرًا لو سبقته صراعات بين غريزة الأبوة والخوف من السلطة والمجتمع ، كما أن الكشف المتأخر عن حقيقة نسب البطل جاء مفاجئًا دون تمهيد كاف ، في حين أن المفاجأة الفنية الأكثر نجاحًا ، هى التي تترك خيوطًا متناثرة في السرد ، ليكشفها القارئ بعد اكتمال الصورة .
ومن الملاحظات الفنية الأخرى أن الكاتب في بعض الحوارات ، لا يحدد هوية المتحدث بالقدر الكافي عند انتقال الحوار بين الشخصيات، فيأتي الرد متصلًا بالكلام السابق دون علامة سردية واضحة تشير إلى انتقال الصوت من شخصية إلى أخرى ، ففي بعض المواضع تبدأ "سامية " الحديث ثم يأتي الرد مباشرة ، فيتوهم القارئ انه امتداد لكلامها ، قبل ان ينكشف بعد التدقيق انه صادر عن الأم ، وقد تكرر هذا الأسلوب في أكثر من موضع ، الأمر الذي يربك انسياب القراءة، ويدفع القارئ إلى التراجع لإعادة توزيع الأصوات الحوارية ، ورغم أن الإقتصاد في استخدام الأفعال الحوارية يُعد من التقنيات السردية الحديثة ، فإنه يظل مرهونًا بالحفاظ على وضوح هوية المتكلم ، حتى لا يتحول فيه الإيجاز إلى سبب التباس المشهد وفقدان شيء من سلاسته.
ومن العناصر الذي أحسن الكاتب توظيفها ، حضور الهاتف بوصفه اكثر من وسيلة للتواصل، إذ يتحول إلى عُنصر سردي ورمز دلالي ، في آن واحد ، فمن خلال المكالمات ورسائل " واتساب" تتحرك الأحداث، وتُبنى العلاقات ، وتُنقل التعليمات ، وتتبدل مصائر الشخصيات، حتى يكاد الهاتف يُصبح شخصية خفية تُدير جانبًا من مسار الرواية، غير أن ذورة هذا الرمز تتجلى في رسائل الأخ " حمد " لبطل الرواية" طلال " حين يوقظه على حقيقة موجعة مفادها أن العالم الافتراضي ، بكل ما يضج فيه من اسماء وإشعارات وأصدقاء، لم يسأل أحد فيه عن غيابه، هنا يتحول الهاتف إلى رمز لوهم التواصل ، ويصبح العالم الرقمي مساحة تعُج بالحضور الشكلي ، بينما يفتقد أبسط معاني العلاقة الإنسانية الحقيقية ، ولا تنفصل هذه الدلالة عن العنوان ، فكما يتحرك البيدق وفق إرادة اللاعب، قد تتحرك حياة الإنسان اليوم ، بفعل رسالة، أو خطاب ، أو توجيه ، يصل عبر شاشة صغيرة ، فتتغير أدوات السيطرة ويبقى جوهرها واحدًا.
ولا تتوقف الرواية عند حدود تتبع رحلة البطل ، بل تتعمد أن تترك للقارئ عددًا من الأسئلة المُعلقة ، دون أن تقدم لها أجابات جاهزة . فهل التعاطف مع إرهابي اكتشف مؤخرًا أنه كان ضحية استغلال يُعد تبريرًا لجريمته؟ وهل يستطيع الخوف من السلطة أن يدفع الإنسان إلى الإرتماء في حضن سلطة أكثر قسوة ؟، وهل يملك الإنسان حريته كاملة، أم أن ضعفه النفسي قد يجعله يختار بإرادته الطريق الذي يسلبه تلك الإرادة ؟ ، وتكمن قيمة هذه الأسئلة في أن الكاتب لا يحولها إلى شعارات مباشرة ، بل يتركها كامنة داخل السرد ، فتفرض نفسها على القارئ دون افتعال .
وتبلغ الرواية ذروتها الرمزية في النهاية التي يخرج فيها البطل " نصف حي" ، فقد بُترت ساقه، وفقد إحدى عينيه، واستقرت شظية في رأسه، ولا تبدو هذه الإصابات مجرد إصابات، بينما تتحول إلى استعارات دالة على أثر الرحلة ، فالعين الواحدة تؤكد بانه لم يرَ سوى نص الحقيقة ، بينما تمنعة الساق المبتورة من بلوغه للنصف الآخر ، أما الشظية المستقرة في الرأس ، فهى إشارة إلى ان آثار التجربة لا نتتهي بإنتهائها، وإنما تظل مغروسة في الوعى ، تلاحقه كما تلاحقه ذاكرته، وهكذا تتحول النهاية من وصف جسدي إلى تغيير رمزي عن إنسان خرج من التجربة حيًا ، لكنه لم يخرج منها كاملًا.
ومن المشاهد التي تحمل بُعدًا فلسفيًا أيضًا ما تعلق بهواجس البطل حين يرى "سامية " على فراش الموت، بينما لا يعلم أنها السبب الحقيقي في ورطته، وفي الوقت نفسه كانت تعيش تحت وطأة الندم ، وهنا يطرح النص سؤالًا لا يقل عمقًا عن بقية اسئلته : هل يمنح الظلم أو الألم الإنسان شفافية خاصة تجعله يستشعر ما يقع للآخرين، ولو كانوا على بُعد أميال؟ ، أم أن هذه الهواجس ليست سوى محاولة للعقل لإعادة ترتيب عالم فقد منطقه؟، ويحسب للرواية انها تترك هذا الباب مفتوحًا، فلا تفسده بإجابة قاطعة .
ويحسب أيضًا للكاتب كذلك وعيه باختيار اسماء بعض الشخصيات، إذ لا تبدو الاسماء اعتباطية ، بل تحمل مفارقات دلالية ، ف " سامية " الذي يوحي اسمها بالسمو والرفعة ، تهبط أخلاقيًا بفعلتها، فلا يبقى من الاسم سوى حروفه ، أما " نجمة " التي يفترض أن تكون بعيدة المنال ، فتأتي على النقيض أمرأة قادتها ظروفها إلى حياة قاسية ، ووطئها كثير من الرجال ، لكنها في النهاية كانت أكثر الشخصيات قدرة على إنارة عتمة البطل ، وكأن الرواية تؤكد أن الضوء قد يخرج ممَن أعتاد المجتمع ان ينظر إليهم باعتبارهم غارقين في الظلام.
ورغم هذا الثراء في بناء الرموز والأسئلة ، فإن الرواية تترك أخر خيوطها السردية دون حسم كافٍ ، ويتمثل ذلك في شخصية " أبي البراء" ، فالنص يخبرنا بأنه كان يعمل لدى والد " طلال" قبل سفره إلى أفغانستان ، ثم يلتقي البطل لاحقًا بشخص يحمل الاسم ذاته، دون ان يمنح القارئ من الإشارات لحسم ما إذا كان هو الشخص ذاته ، أم تشابه الكُنية مجرد مصادفة ، خاصة أن هذا اللقب شائع داخل التنظيمات المتطرفة، وكان يمكن لإشارة عابرة أن تغلق هذا الباب دون أن تفقد الرؤية شيئًا من غموضها.
الكاتب لم يؤكد أن طلال ابن شخص بعينه ، وشهادة الميلاد مجرد ورقة ربما كانت مزورة للبعُد عن المُسائلة؟
كلها احتمالات تسكن ذهن القارئ.
في النهاية، لا تكمن قيمة " اعترافات البيدق الأخير " في أنها تروى حكاية شاب ، انضم لجماعة متطرفة، بل في أنها تجعل من هذه الحكاية مدخلًا للتأمل في هشاشة الإرادة الإنسانية، وفي الكيفية التي يمكن أن يتحول بها الإنسان تحت وطأة الخوف أو الوهم أو الحاجة إلى الانتماء، إلى أداة في يد غيره، إنها رواية لا تكتفي بإدانة التطرف ،بل تفتش في جذوره النفسية والفكرية، وتكشف أن أخطر ما يفقده الإنسان ليس جسده، وإنما قدرته على التفكير المستقل ، ورغم بعض الملاحظات الفنية المتعلقة بتدرج بعض التحولات النفسية مُعلقة والتباس الحوار في مواضع محدودة، وترك بعض الخيوط السردية دون حسم، فإنها تظل رواية تمتلك مشروعًا فكريًا واضحًا، وتنجح في أن تترك قارئها أمام أسئلة أكثر مما تمنحه من أجوبة، وتلك في تقديري إحدى العلامات التي تميز الأدب القادر على البقاء ، لأن الروايات تنتهي عند الصفحة الأخيرة ، بينما الأسئلة الحقيقية، فتبدأ بعدها.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك