من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

بين الانتظار والخذلان... الأشجار تموت واقفة.

محمد فرحات
بين الانتظار والخذلان... الأشجار تموت واقفة.




لا تحتاج العروض المسرحية كلها إلى حبكات متشابكة أو أحداث صاخبة حتى تترك أثرًا عميقًا في وجدان جمهورها، فيكفي أن تمتلك رؤية صادقة وشخصيات تنبض بالحياة وصراعًا إنسانيًا. 

وهذا ما قدمه العرض المسرحي (الأشجار تموت واقفة) على مسرح قصر ثقافة الأنفوشي ضمن فعاليات مهرجان قسم المسرح الدولي، من خلال تجربة مسرحية انطلقت من بيت بسيط لكنها انفتحت على أسئلة أكبر حول العائلة والوفاء والجشع، ومع تصاعد الأحداث وانكشاف الحقائق ازاد الصراع احتدامًا حتى بدا البيت محتضنًا لقلوب تتساقط واحدًا تلو الآخر. 

يستند نص إليخاندو كاسوتا وإعداد أنس النيلي ومحمد بهجت إلى بناء درامي كلاسيكي في ظاهره لكنه حمل رؤية إنسانية؛ فلم يجعل الجدة بطلة لأنها ضعيفة أو مثيرة للشفقة إنما لأنها كانت أكثر ثباتًا؛ فهي تنتظر وتسامح وتحلم، وقدم الحفيد في شخصية لم ترَ في العلاقات سوى مصالحها، كما أن توظيف عصابة أصحاب السعادة كسر التوقعات ومنح العمل بعدًا إنسانيًا مختلفًا

وقد بنى المخرج جاسر الفرن تأثيره من خلال الإيقاع والصدق؛ مشبكًا عناصر عرضه بانسجام، فالحركة بدأت بهدوء يشبه انتظار الجدة الطويل ثم تصاعدت تدريجيًا حتى بلغت ذروتها مع دخول الحفيد حيث تبدل الإيقاع وتحول الدفء الأسري إلى حالة من التوتر النفسي المكتوم، وأدار جاسر الممثلين في كتلة شعورية واحدة تدفقت وحافظت على التوازن بين الواقعية والرمزية فلم تفقد صدقها الإنساني ولم تتخلَ عن بعدها التأويلي خاصة في المشهد الأخير الذي تجاوز كونه نهاية درامية إلى صورة بصرية تختصر الفكرة الكبرى للعرض.

واعتمدت السينوغرافيا على بساطة واعية فجعلت المكان شريكًا في الحكي فمنذ الإضاءة الأولى ظهر البيت بطابعه القديم والراديو والطاولة والكراسي والمكتبة وصندوق الخطابات والنافذة وغصن الشجن المتدلي لتشكل جميعها ذاكرة بصرية تستدعي الدفء القديم للعائلة، وبلغت السينوغرافيا ذروة حضورها في غصن الشجرة الذي تحول من مجرد مفردة ديكورية إلى علامة سيميائية كثيفة الدلالة فهو شاهد على طفولة الحفيد وذاكرة الجدة؛ ولذلك فإن موت الجدة تحت هذا الغصن كان إعلانًا بصريًا عن سقوط آخر أغصان العائلة، ولقد منحت السينوغرافيا ذاكرة للمكان وجعلت الأشياء الصامتة أكثر قدرة على الكلام، وهو ما أظهر وعيًا بصريًا جعل الفضاء المسرحي جزءًا أصيلًا من إنتاج المعنى. 

أما ديكور معاذ مدحت فكل قطعة أثاث فيه روت حكايات سبقت الحوار وكانت شاهدًا حيًا على الزمن فمفرداته كلها صاغت فضاء منزليًا صادقًا وقد عبر الديكور عن بساطة العائلة وعمقها الإنساني كما استدعى غصن الشجرة طفولة الحفيد وارتبط بذاكرة الجَدة ثم اختتم رحلته باحتضان لحظة موتها ليصبح أحد أكثر عناصر العرض بلاغة.

وشاركت إضاءة أحمد الفرن في بناء الحالة النفسية للمشاهد وواكبت التحولات الدرامية بدقة، متنقلة بين لحظات الحنين وقسوة المواجهات وتوتر انكشاف الحقيقة وبلغ حضورها ذروته في المشهد الختامي حيث شهدت على أفول مشاعر الجدة في واحدة من أكثر الصور البصرية تأثيرًا في العرض. 

ولعبت موسيقى محمد غنيم دورًا دراميًا واضحًا، إذ لم تكن مجرد فواصل سمعية بين المشاهد، لكنها رافقت الحالة الشعورية للشخصيات، وأسهمت في تصعيد التوتر أو منح لحظات الصفاء والدفء مساحتها الكاملة. وجاءت الموسيقى الإيقاعية في البداية لتمنح العرض حيوية خاصة خلال عرض الرقصات المرحة بين الحفيد المزيف والجدة وزوجة الحفيد والجد، ثم تبدلت نبراتها مع تغير الأحداث، لتصبح أكثر توترًا مع تصاعد الصراع، وأكثر هدوءًا في لحظات التأمل والحنين. وقد نجحت في دعم الإيقاع العام للعرض دون أن تطغى على الحوار أو الأداء، محافظةً على توازنها بوصفها عنصرًا دراميًا يخدم الفكرة ولا يزاحمها.

ويُعد الأداء التمثيلي أحد أبرز مكاسب العرض، فقد بدا واضحًا الانسجام بين أفراد الفريق، وحرصهم على تقديم شخصيات نابضة بالحياة، بعيدة عن المبالغة أو التصنع. غير أن الحضور الأكثر اكتمالًا كان للممثلة التي جسدت شخصية الجدة، إذ قدمت أداءً استثنائيًا اتسم بصدق الانفعال، ودقة التعبير، والقدرة على الانتقال بين الحنان، والانتظار، والانكسار، دون أن تفقد الشخصية اتزانها. ولم تعتمد في تأثيرها على الحوار وحده، بل صنعت حضورها من خلال نظراتها، وصمتها، وطريقة جلوسها على الكرسي المتحرك، حتى بدا جسمها نفسه وسيلةً للتعبير.

كما نجح الممثل الذي أدى دور الجد في تقديم شخصية يغلب عليها الاحتواء والحكمة، بينما أدى ممثل الحفيد الشخصية بانفعال مناسب لطبيعتها، معبرًا عن اضطرابها الداخلي وأنانيتها، وحافظ الفريق على مستوى أدائي متماسك، أسهم في إيصال الرسالة الإنسانية للعرض بصدق وإقناع.

ويقدم (الأشجار تموت واقفة) تجربة مسرحية إنسانية، استطاعت أن تمزج بين البساطة والعمق، وأن تجعل من حكاية عائلية مدخلًا لطرح أسئلة تمس المجتمع بأكمله. ونجح العرض في الحفاظ على صدقه الفني، وفي تقديم رؤية تُلامس الوجدان قبل العقل، ومن هنا، يستحق فريق العمل التحية كلها والتقدير على تجربة مسرحية صادقة، تؤمن بأن الفن لا يكتفي بسرد الحكايات، إنما يمنحها حياة جديدة فوق الخشبة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10337
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.