«المشي على حبل مشدود».. تحذيرات استخباراتية إسرائيلية تحذر من وهم الدعم الأمريكي الدائم
هل تملك دولة قرار استمرارها حين يرتكز بقاؤها على مظلة حليف خارجي يتغير مجتمعه؟
وجه اللواء المتقاعد تامير هايمان، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية («أمان») ومدير «معهد دراسات الأمن القومي» (INSS) الحالي، صرخة تحذير مدوية تعكس عمق القلق داخل المؤسسة الأمنية في تل أبيب.
هايمان أشار بوضوح إلى أن إسرائيل باتت «تمشي على حبل مشدود» إستراتيجياً، في وقت تتوسع فيه عملياتها العسكرية على جبهات متعددة، بالتوازي مع تآكل سريع ومضطرد في شبكة الدعم السياسي والشعبي الأمريكي التي شكلت لعقود شبكة الأمان الأولى لتل أبيب.
بالأرقام: تحول بنيوي في الشارع الأمريكي
لم تكن تحذيرات هايمان مجرد انطباعات سياسية، بل ارتكزت على قراءة دقيقة لمؤشرات التحول في الرأي العام الأمريكي؛ حيث كشفت البيانات الإحصائية عن تحولات جيلية وحزبية غير مسبوقة:
الديمقراطيون:
86% يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، في تحول يبتعد بالكامل عن التوافق التاريخي بين الحزبين حول دعم تل أبيب.
الجمهوريون الشباب (تحت سن الـ50):
56% يعربون عن موقف سلبي، ما يشير إلى أن التراجع لم يعد يقتصر على التيار التقدمي، بل يتغلغل في القاعدة الشبابية للمحافظين.
جيل الشباب:
صعود تعاطف جيل الشباب (Gen Z والشباب من الملايين) مع الرواية الفلسطينية، وهو الجيل الذي يستعد لخوض الانتخابات وتشكيل الكتلة التصويتية الحسمية ورفد أروقة «الكونغرس» خلال السنوات القليلة القادمة.
«إن رهان إسرائيل على شخصيات فردية في واشنطن لضمان استمرار الدعم هو مقامرة بالغة الخطورة.»
— تامير هايمان، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية
انقسام واشنطن: الصهيونية بين «الفاشية» و«المنعزلين»
وفقاً للتقرير الاستراتيجي، فإن المفهوم التقليدي للصهيونية يواجه أزمة تعريف غير مسبوقة داخل الولايات المتحدة:
على جبهة اليسار:
أصبحت «الصهيونية» تُصوَّر وتُعرَّف في الأوساط الأكاديمية والشبابية التقدمية على أنها مرادفة لـ«الفاشية» ونظم الفصل العنصري، لا سيما مع استمرار التغطية المكثفة للدمار في غزة وملاحقة إسرائيل أمام «محكمة العدل الدولية» و«الجنائية الدولية».
على جبهة اليمين المتشدد:
يتنامى التيار العزلي (America First) الذي يرفض تمويل الحروب الخارجية، بالتوازي مع صعود موجات من معاداة السامية الصريحة في أقصى اليمين.
هذا الانقسام المزدوج يضع الجاليات اليهودية والشباب اليهود في الجامعات الأمريكية في قلب استقطاب حاد، ويسلب تل أبيب أدوات ضغطها التقليدية.
حدود الاعتماد المالي والعسكري
تكمن خطورة هذا التراجع في كون إسرائيل تعتمد بشكل بنيوي على واشنطن في ثلاثة محاور رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها.
مع زيادة عزلة إسرائيل الدولية وتصاعد الاتهامات لاستئناف الحرب على غزة وتجاهل القانون الدولي، تزداد الكلفة السياسية والانتخابية على أي إدارات أمريكية قادمة لمواصلة استخدام «الفيتو» أو إرسال صفقات السلاح دون شروط.
تحليلياً: هل يمكن لدولة أن تبقى قوية وهي مرهونة بحليف خارجي؟
تطرح تحذيرات هايمان السؤال المحوري والأكثر خطورة حول مستقبل الدولة الإسرائيلية: هل الاستقلالية العسكرية والسياسية ممكنة لدولة ارتبط وجودها بمظلة خارجي؟
في الأدبيات السياسية والعلاقات الدولية (مدرسة الواقعية الإستراتيجية)، يعتبر «مبدأ الاعتماد المطلق على حليف خارجي» إحدى أكبر نقاط الضعف التي قد تطيح بالقوى الإقليمية، لعدة أسباب بنيوية:
انفكاك المصالح الإستراتيجية:
الحليف الخارجي (الولايات المتحدة) تحكمه أولويات متغيرة (مثل التنافس مع الصين، والأزمات الاقتصادية الداخلية).
عندما تتعارض تكلفة حماية الشريك مع المصلحة الوطنية للحليف، يتم الانحياز إلى كفة المصلحة الداخلية دائماً.
وهم القوة الإقليمية:
إسرائيل تمتلك جيشاً متطوراً وتكنولوجيا متقدمة، لكن القوة الفاعلة تتطلب قدرة الاستدامة (Sustainability). خوض حروب استنزاف طويلة يستنزف المخزون الاستراتيجي الذي لا يمكن تعويضه إلا بـ«جسر جوي» أمريكي؛ مما يعني أن القرار العسكري الإسرائيلي مجرد من «السيادة المطلقة».
التغير الديمغرافي والسياسي داخل الحليف: لا توجد إستراتيجية قادرة على تحييد التحولات الديمغرافية والتنظيمية داخل المجتمعات الديمقراطية.
عندما يتحول دعم تل أبيب من قضية تحظى بإجماع الحزبين (Bipartisan consensus) إلى مسألة استقطاب حزبي، فإن قوة الدولة تصبح مرهونة بنتائج صناديق الاقتراع في دولة أخرى.
الخلاصة
توضح تحذيرات قيادات الاستخبارات الإسرائيلية أن تل أبيب تقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فبناء القوة الذاتية المتفوقة لا يلغي حقيقة أن «الارتهان لخارج متغير يمثل هشاشة إستراتيجية قاتلة».
وإذا استمر التراجع الحاد في انقلاب الرأي العام الأمريكي وفي أوساط صناع قرار المستقبل بواشنطن، فإن إسرائيل قد تجد نفسها قريباً مكشوفة إستراتيجياً، أمام إقليم رافض وعزلة دولية متزايدة، دون التمتع بشبكة الأمان التي اتكأت عليها طوال تاريخها الحديث.

التعليقات
أضف تعليقك