من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

أنتاركتيكا... القارة التي لم تعد بمنأى عن كوارث البشر

خالد بيومي
أنتاركتيكا... القارة التي لم تعد بمنأى عن كوارث  البشر



البلاستيك الدقيق يتسلل إلى آخر ملاذ نقي على كوكب الأرض


لطالما اعتُبرت القارة القطبية الجنوبية آخر حصون الطبيعة البكر، مكانًا لا يدوسه سوى قلة من العلماء، ولا تصل إليه أصابع الصناعة والاستهلاك التي أنهكت بقية الكوكب. لكن سلسلة من الدراسات العلمية الحديثة تكشف صورة مغايرة تمامًا: حتى أنتاركتيكا، بجليدها الأبيض الممتد على مسافات شاسعة، لم تعد بمعزل عن التلوث الذي صنعه الإنسان.

جسيمات لا تُرى بالعين المجردة... لكنها في كل مكان

في يناير 2024 أطلقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية حملة علمية غير مسبوقة لقياس حجم التلوث بالبلاستيك الدقيق (microplastics) في القارة القطبية الجنوبية، بالتعاون مع معهد تشيلي القطبي وفرق بحثية أرجنتينية عملت في محطات مارامبيو وإسبيرانزا وكارليني. وأظهرت النتائج الأولية للتحليلات التي أُجريت على مياه البحر والرمال الساحلية والرخويات وحتى فضلات طيور البطريق شيئًا لافتًا: البلاستيك الدقيق كان حاضرًا في كل عينة تقريبًا خضعت للفحص.



الأخطر من ذلك ما كشفه فريق من هيئة المسح البريطانية للقارة القطبية الجنوبية، حين رصد جسيمات بلاستيكية دقيقة في الثلوج بتركيزات تراوحت بين 73 و3099 جسيمًا في كل لتر من الثلج المذاب، مع ملاحظة أن 95% من هذه الجسيمات كان حجمها أصغر من 50 ميكرومترًا، أي بحجم الخلية البشرية تقريبًا. وهذا يعني، بحسب الباحثين، أن الدراسات السابقة ربما قللت من تقدير حجم المشكلة الحقيقية بسبب محدودية أدوات الرصد المستخدمة آنذاك.

ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد؛ ففي يوليو 2026 أعلن باحثون رصدهم النانوبلاستيك -وهو جسيمات أدق حتى من البلاستيك الدقيق، لا يتجاوز قطرها جزءًا من الميكرومتر- في تربة وديان مكموردو الجافة، وهي من أكثر بقاع أنتاركتيكا بعدًا عن الساحل والمحيط. رُصدت ستة أنواع مختلفة من هذه الجسيمات بتركيزات وصلت إلى نحو 295 نانوغرامًا في كل غرام من التربة، ما يشير إلى أن الرياح والتيارات الجوية باتت تنقل هذا النوع من التلوث لمسافات طويلة جدًا، بعيدًا عن أي مصدر مباشر للنشاط البشري.

من فضلات البطريق إلى الحشرة الوحيدة في القارة

يتسلل البلاستيك الدقيق تدريجيًا إلى السلسلة الغذائية القطبية بأكملها. فقد وثّقت دراسات حديثة وجوده في براز أنواع مختلفة من الفقمات، وفي أنسجة عدة أنواع من الأسماك القطبية التي تحمل في أجسادها جسيمات من البوليستر والبولي إيثيلين والبولي أميد. وفي فبراير 2026 كشفت دراسة من جامعة كنتاكي الأمريكية أن حتى "بلجيكا أنتاركتيكا" -وهي الحشرة البرية الوحيدة الأصيلة في القارة، وليس لها أي مفترس بري- بدأت تبتلع جسيمات بلاستيكية أثّرت على توازنها الأيضي وموازنتها الطاقية، في مؤشر يقلق الباحثين بشأن ما قد يحدث لليرقات التي تستغرق سنتين كاملتين لتكتمل دورة نموها في ظل تغيرات مناخية متسارعة.



كما بيّنت دراسة سابقة لهيئة المسح البريطانية أن البلاستيك الدقيق قد يقلل من كفاءة كائنات دقيقة تشبه الروبيان تُعرف بـ"الكريل"، تلعب دورًا محوريًا في نقل الكربون من سطح المحيط إلى أعماقه، وهي وظيفة بيئية تسهم في تنظيم المناخ العالمي.

قوانين صارمة... لكنها لا توقف التسرب

رغم أن أنتاركتيكا لا تتبع لأي دولة، فإنها تخضع منذ عام 1959 لما يُعرف بـ"نظام معاهدة أنتاركتيكا"، الذي ينظم البحث العلمي فيها، ويمنع أي نزاعات عسكرية عليها، ويفرض حماية بيئية صارمة. صحيح أن دولًا مثل المملكة المتحدة وأستراليا والأرجنتين وتشيلي تحمل مطالبات تاريخية بالسيادة على أجزاء منها، إلا أن هذه المطالبات ظلت مجمّدة لعقود لمنع أي صراع، فيما ينحصر الهدف المعلن للمعاهدة في البحث العلمي والحفاظ على البيئة، مع احتمال مستقبلي لاستكشاف الموارد.

ومع ذلك، يؤكد باحثون في دراسة نُشرت في مايو 2026 أن الالتزام الصارم بالقوانين لا يمنع وصول التلوث؛ إذ تحمل الرياح والتيارات المحيطية جسيمات بلاستيكية ومعادن ثقيلة من آلاف الكيلومترات لتستقر في الثلوج والمياه القطبية، فيما تُنتج بعض القواعد البحثية العاملة داخل القارة نفسها كميات محدودة من النفايات رغم القيود المفروضة عليها.



أما عن دخول الزوار والباحثين، فالوصول إلى القارة يتم حصرًا عبر السفن أو الطائرات الصغيرة، ويخضع كل شخص لإجراءات تعقيم وفحص دقيقة للملابس والمعدات، تهدف لمنع تسرب بذور نباتية أو بقايا بلاستيكية قد تُخلّ بتوازن بيئي لم يعرف وجود الإنسان يومًا.

الجليد الذائب... رسالة لا يمكن تجاهلها

لا ينفصل ملف التلوث عن ملف ذوبان الجليد، فكلاهما وجهان لأزمة واحدة. تشير دراسات حديثة إلى أن ذوبان الرصيف الجليدي في بحر آموندسن غرب القارة -المتحكم الرئيسي في مساهمة أنتاركتيكا بارتفاع مستوى سطح البحر- بات "شبه محتوم" حتى في أكثر سيناريوهات خفض الانبعاثات طموحًا، مع توقعات بأن تتسارع وتيرة الاحترار المحيطي بمعدل يبلغ نحو ثلاثة أضعاف المعدل التاريخي خلال هذا القرن.


وتحمل الصفيحة الجليدية الغربية وحدها كمية من الجليد كافية لرفع مستوى سطح البحر عالميًا بما يصل إلى خمسة أمتار في حال ذوبانها الكامل، وهو سيناريو بعيد المدى لكنه يوضح حجم المخاطرة. كما كشفت دراسات حديثة في عام 2026 عن قنوات عميقة تحت الجرف الجليدي تسمح لمياه محيطية دافئة بالتسلل والبقاء حبيسة تحت الجليد بدلًا من الانسحاب سريعًا، ما يسرّع الذوبان "من الأسفل" بمعدل يفوق التوقعات السابقة.

قارتان في قارة واحدة

تنقسم أنتاركتيكا فعليًا إلى جزء شرقي أكبر وأكثر ثباتًا، وجزء غربي وشبه الجزيرة القطبية الأكثر دفئًا وهشاشة، والأسرع ذوبانًا بين مكوناتها. ويرى العلماء أن ما يحدث في الغرب اليوم قد يكون مؤشرًا مبكرًا لما قد يصيب القارة بأكملها إذا استمر الاحتباس الحراري على وتيرته الحالية.

حماية القارة... واجب لا خيار

يجمع الباحثون على أن حماية أنتاركتيكا لم تعد ترفًا علميًا، بل ضرورة تمس مستقبل الكوكب بأسره ، فكل جسيم بلاستيكي دقيق يصل إلى ثلوجها، وكل طن جليد يذوب من رصيفها الجليدي، يعيدان إلى العالم أخطاءً ارتكبها الإنسان في أماكن أخرى بعيدة كل البعد عن هذه القارة الصامتة.


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10356
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.