من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقية لقصة" بحر الذكريات" للأديب أحمد فؤاد الهادي

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقية لقصة


" بحر الذكريات "  قصة تقوم على استعارة مركزية لا تقتصر على افتتاحيتها ، بل تمتد لتشكل هيكلها الفني والفلسفي بأكمله، فالبحر فضاء تغوص فيه الذاكرة ، حيث يمثلا القاع والسطح الماضي والحاضر.

النص يبدأ بالجفاف والجفاء ، بينما الحياة الحقيقية تبدأ مع أول غطسة داخل ذاكرته  .

فهى مفارقة تؤكد أن ما جف في الواقع ،  ظل متدفقًا في الذاكرة.


القصة تطرح فكرة إن الذاكرة لا تحفظ الأشخاص كما صاروا،  بل كما احببناهم أول مرة ، فقد احتفظ البطل بشكل البطلة رغم مرور عقود .

نحن لسنا أمام قصة تُمجد الحب فحسب ، بل تهدم في هدوء احد التصورات الإجتماعية رسوخًا، فالبطل في الخامسة عشر، بينما " نادية" في الثامنة عشر ، أى أنها تكبره بثلاث سنوات، ومع ذلك هى التي تبادله الحب،  وتصارحه في حياء ودلال بقولها" مش اللي يحب واحد يلاغيه ؟" ، في بيئة ريفية كان العرف فيها ، ولا يزال في بعض القرى يميل إلى أن يكون الرجل أكبر من المرأة ، تأتي هذه العبارة لتُعلن أن الحب لا يعترف بحسابات الأعمار، وأن القلب لا يقيس الفارق بين السنوات، ويزداد هذا المعنى رسوخًا حين يغيب عُمر زوجها " سعيد الأعرج" تمامًا عن السرد، وكأن الكاتب يتعمد ألا يجعل العمر معيارًا للحكم، بل يترك للقارئ يستشعر أن الزوج جاء وفق منطق المجتمع ، بينما ظل الحب خاضعًا لمنطق آخر لا تعترف به الآعراف.

ومن أعمق الشخصيات في القصة، رغم قصر حضورها شخصية الجدة ، فهى ليست مجرد عجوز ترافق حفيدها، وإنما تمثل الحكمة الإنسانية التي ترى ما يعجز الشباب عن رؤيته، فهى مَن يمنح ذلك الشعور اسمه الحقيقي ،حين تقول:" البنت دي بتحبك"عند هذه اللحظة لا تكشف الجدة الحب، بل يكتشفه البطل نفسه، وهنا تتجلى المفارقة ، فالشخصية الأقرب إلى نهاية العمر هى الاكثر قدرة على بداية الحياة . لقد تجاوزت التسعين ، لكنها ترى ما لم يره الفتى في الخامسة عشر ، وكأن الخبرة الطويلة لا تطفأ القلب ، بل تمنحه بصيرة أعمق.


المؤلف 

وتكتمل هذه الدائرة في المشهد الأخير مع الأخت، وقد يبدو قولها:" كلنا يعلم انك كنت بتحبها وهى كانت تحبك"  تكرارًا لما قالته الجدة قبل خمسين عامًا،  لكنه في الحقيقة ليس تكرارًا،  بل اغلاق لدائرة سردية فلسفية.

الجدة شهدت ميلاد الحب، والأخت شهدت بقاءه، الأولى وقفت عند بدايته ، والثانية وقفت عن نهايته . وبين الشهادتين تمتد حياة كاملة ، فالعلاقة بين الجدة والأخت ليست علاقة قرابة فحسب ، بل علاقة  يقين ، فكلاهما يرى الحقيقة نفسها في زمنين مختلفين، وكأن الحب ظل صامتًا ، بينما ظل شهوده يحتفظون  بمعرفته جيلًا بعد جيل .


ويبلغ البناء ذروته في المفارقة الصوتية التي تعد من أجمل ما في النص ، فقد عاش الحب كله في منطقة الهمس ، نظرات متبادلة ، وصمت طويل ،وابتسامة ، وجملة عابرة ، دون اعتراف صريح او اعلان يسمعه الناس، بينما جاء الموت في صورة نداء جهوري يخرج من مكبر صوت المسجد ليملأ أرجاء القرية باسم " نادية" ، هنا تتجسد مفارقة شديدة العمق، فالموت يُعلن على الملأ ، أما الحب  فيبقى مكتومًا ، وكأن المجتمع يمنح النهاية حق الجهور، بينما يحكم على البداية بالكتمان، والأكثر إيلامًا أن البطل لم يسمع صدى لاسمها إلا بعد ما أصبح اللقاء مستحيلًا ، فكأن الصوت الذي تأخر عن جمعهما جاء أخيرًا لا ليمنح اللقاء ، بل ليُعلن عن الفراق الأبدي.


وتكتسب الألوان داخل النص وظيفة  رمزية، فالجدة ذات العينين الزرقاوين صاحبة رؤية نافذة ، وليس من المصادفة أن يرتبط لون عينيها بلون البحر الرمز المركزي بالقصة ، فكلاهما يكشف الأعماق ولا يكتفي بالنظر إلى السطح ، أما شعر نادية الذي امتزج فيه الأسود بالبني، فلا يقدم وصفًا جماليًا فحسب ، فهو يجمع  بين الأسود بما فيه من رسوخ و عمق البني فهو لون الأرض والدفء ، فنادية ابنة البيئة التي خرجت منها جميلة ببساطتها، لا بزخرفتها، وهو ما ينسجم مع تأكيد الراوي أنها بلا تصنع .


وتأتي النهاية لتُغلق البناء السردي بإحكام، فالقصة تبدأ بالغوص وتنتهي بالغوص، غير أن الغطسة الأخيرة ليست بحثًا عن الذكريات،  وإنما عودة إلى الزمن الوحيد الذي ظل حيًا داخله، لذلك فإن عبارة "  وقد لحق بها" تظل مفتوحة على أكثر من تأويل، أهو الموت الحقيقي ،أم اللقاء في الُحلم، أم انتصار الذاكرة على الواقع؟، وهذا الانفتاح هو ما يمنح النهاية قيمتها الفنية،  لأنها لا تفرض إجابة.


"بحر الذكريات " ليست قصة عن حب ضائع ، بقدر ما هى تأمل فلسفي في العلاقة بين الزمن والذاكرة والإنسان . انها تقول في هدوء ، الحب الأول لا يُقاس بما انتهى إليه ، بل بما تبقى منه ، وإن كان الموت قد امتلك صوته العالي ليُعلن النهاية ،فإن الحب ظل محتفظًا بهمسه حتى اللحظة الأخيرة،  فما يُقال همسًا ،قد يكون  أبقى أثرًا مما يعلنه العالم بصوت جهوري.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10360
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.