جيبوتي ترفض رسمياً محاولات فرض رسوم على الملاحة في باب المندب وسط تصعيد حوثي جديد في البحر الأحمر
أعلنت جيبوتي رفضها القاطع لأي محاولة لفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق باب المندب، مؤكدة أن أي إجراء أحادي الجانب من هذا النوع يشكل خرقاً صريحاً لقواعد القانون الدولي، وتهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية وحركة التجارة العالمية عبر أحد أكثر الممرات المائية حيوية في العالم.
وشددت الرئاسة الجيبوتية، في بيان رسمي، على احتفاظ البلاد بحقها في اللجوء إلى كافة الوسائل الدبلوماسية والقانونية والأمنية المتاحة، بالتنسيق مع شركائها الإقليميين والدوليين، من أجل حماية حقوقها السيادية وضمان استقرار الملاحة في البحر الأحمر، الذي تشكل موانئها الخمسة الشريان الاقتصادي الأهم لاقتصاد البلاد.
خلفية الأزمة: تقارير عن دراسة حوثية لفرض "رسوم عبور"
يأتي الموقف الجيبوتي بعد ساعات من تقرير لوكالة "رويترز" نقلته عن مصادر إقليمية مطلعة، أفاد بأن جماعة الحوثيين (أنصار الله) في اليمن تدرس فرض رسوم مالية على معظم السفن التجارية العابرة لمضيق باب المندب، الذي يربط جنوب البحر الأحمر بخليج عدن، ويُعد ممراً رئيسياً لنقل النفط والبضائع بين آسيا وأوروبا.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن المشاورات بشأن آلية فرض الرسوم لا تزال في مراحلها الأولى، ولم يُحدَّد بعد إطار زمني لتطبيقها أو الجهة التي ستتولى تحصيلها، فيما لم يرد المكتب الإعلامي للحوثيين على طلب التعليق الذي وجهته الوكالة.
دور إيراني في الكواليس.. واستثناء صيني لافت
كشفت مصادر الوكالة أن مسؤولين حوثيين سافروا إلى طهران في يوليو الماضي لحضور مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، وناقشوا خلال الزيارة مع نظرائهم الإيرانيين مسألة فرض الرسوم على العبور من باب المندب.

وأضاف مسؤول عربي أن الوفد الحوثي عاد من طهران برفقة مستشارين إيرانيين لتقديم المشورة بشأن إنشاء هيئة محتملة تتولى تنظيم عملية جباية الرسوم من السفن العابرة.
وفي مؤشر على البعد الجيوسياسي للخطوة، أشارت المصادر إلى أن بكين طلبت من الحوثيين التعهد بعدم استهداف الناقلات الصينية أثناء عبورها المضيق، وأن السفن الصينية ستكون مستثناة من الرسوم المرتقبة، وهو طلب أبدت الجماعة موافقتها عليه.
وتُعد الصين من أوائل الدول التي فتحت قنوات تواصل مباشرة مع الحوثيين بشأن سلامة الملاحة في المضيق، سعياً لتأمين تدفق شحناتها التجارية والنفطية بين آسيا وأوروبا.
وبحسب مصدرين اطلعا على مضمون المباحثات، فإن الهدف من الخطوة يتمثل في تكريس سابقة تطبيع فرض الرسوم على الممرات المائية الدولية، إلى جانب زيادة الضغط على الولايات المتحدة في سياق التصعيد الأوسع بين الطرفين.
تحذير الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً من "نموذج هرمز"
حذّرت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، على لسان وزيرة خارجيتها المكلفة أفراح الزوبة، من أن الحوثيين يسعون إلى استنساخ ما وصفته بـ"النموذج الإيراني" المعتمد في مضيق هرمز، وتطبيقه على باب المندب، في وقت تتواصل فيه مشاورات في مسقط تهدف إلى احتواء التصعيد المتصاعد في اليمن والبحر الأحمر.
وقالت الزوبة إن الجماعة ستحاول توظيف أي رسوم مفروضة لتعزيز نفوذها الاقتصادي في البحر الأحمر إذا استطاعت ذلك.
حصار بحري على السعودية وتوسع رقعة الاستهداف
تأتي هذه التطورات بعد نحو أسبوع من إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية في 20 يوليو الجاري، وهي خطوة فتحت جبهة إضافية ضد الولايات المتحدة وحلفائها في سياق الحرب الدائرة مع إيران، ووسّعت نطاق استهداف الجماعة للناقلات التي تحمل إمدادات الطاقة والبضائع خارج مياه الخليج.
وفي رده على تقارير فرض الرسوم، أكد المكتب السياسي لأنصار الله أن مضيق باب المندب سيبقى "مفتوحاً أمام الملاحة الدولية بأمان وسلام"، باستثناء الملاحة السعودية التي ستظل محظورة، على حد تعبيره، حتى رفع ما تصفه الجماعة بـ"الحصار" على اليمن.
جدير بالذكر أن فريق خبراء تابعاً للأمم المتحدة كان قد أشار في تقرير سابق إلى معلومات عن تقاضي الحوثيين رسوماً من بعض شركات الشحن مقابل ضمان مرور آمن لسفنها خلال عام 2024، غير أن التقرير أوضح حينها أنه لم يتمكن من التحقق من صحة تلك المعلومات بشكل مستقل.
جيبوتي بين حسابات الحياد الدبلوماسي ومخاوف اقتصادية محتملة
تحرص جيبوتي، التي تحتضن قواعد عسكرية لعدد من القوى الدولية وتضم خمسة موانئ من الأكثر تطوراً في شرق أفريقيا، على انتهاج سياسة حياد دقيقة إزاء أزمة البحر الأحمر، إذ سبق لها أن رفضت طلباً أميركياً بنصب منصة صواريخ على أراضيها لاستهداف الحوثيين، في وقت تتخوف فيه بشكل متصاعد من أن يلقي التوتر المستمر في المضيق بظلاله السلبية على حركة موانئها التي تمثل المحرك الأكبر لاقتصادها الوطني.
وقد رفعت السلطات الجيبوتية مستوى الجاهزية البحرية في المنطقة، مع مضاعفة خفر السواحل لدورياته على طول الساحل الغربي لباب المندب، ضمن جهود مشتركة مع أطراف إقليمية ودولية لتأمين الملاحة، دون أن يعني ذلك انخراطها في أي تحالف عسكري مباشر ضد الحوثيين.
تداعيات محتملة على التجارة العالمية
ويحذر مراقبون من أن فرض رسوم حوثية على السفن العابرة لباب المندب سيمثل تحولاً نوعياً في طبيعة التهديد الذي تتعرض له الملاحة الدولية في البحر الأحمر، بالانتقال من منطق الاستهداف العسكري المباشر إلى محاولة فرض واقع اقتصادي بالقوة على أحد أهم ممرات التجارة وإمدادات الطاقة في العالم.
ويرى خبراء ملاحيون أن استمرار حالة عدم الاستقرار في المضيق ينذر بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وسط مخاوف من أن يدفع ذلك بعض شركات الملاحة إلى تفضيل مسار رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر كلفة، تجنباً للمخاطر الأمنية والمالية المتزايدة في جنوب البحر الأحمر.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك