من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

بيليتسكي.. رمز القومية الأوكرانية المتطرفة

خالد بيومي
بيليتسكي.. رمز القومية الأوكرانية المتطرفة

 




بيليتسكي، «الزعيم الأبيض» الذي صعد من شوارع خاركيف إلى قيادة الفيلق الثالث

مع اتساع الحرب الروسية على أوكرانيا، برز اسم أندري إيفغينيفيتش بيليتسكي (Andriy Yevheniiovych Biletsky) كواحد من أكثر القادة العسكريين إثارة للجدل في كييف، ليس فقط بسبب سجله الميداني في دونباس وماريوبول، بل أيضاً بسبب جذوره التي تنتمي إلى أقصى اليمين الأوكراني وتصريحاته العنصرية القديمة التي لا تزال تُستغلّ في الحرب الدعائية بين الطرفين. 

اليوم، يشغل بيليتسكي رتبة عميد (Brigadier General) في القوات البرية الأوكرانية، ويتولى قيادة الفيلق الثالث للجيش الأوكراني الذي تأسّس في 2025، ويُعدّ امتداداً تنظيمياً وعقائدياً لكتيبة «آزوف» التي أسّسها عام 2014. 

من تاريخ «وطني أوكرانيا» إلى كتيبة آزوف

ولد بيليتسكي في 5 أغسطس/آب 1979 في خاركيف، وتخرج من كلية التاريخ بجامعة خاركيف عام 2001، حيث أعدّ رسالة عن «الجيش  الأوكراني المتمرد » (UPA). 

بدأ نشاطه السياسي في أوساط اليمين المتطرف في مطلع الألفية، فانتمى إلى منظمة «Tryzub» في 2002، ثم قاد إحياء حركة «وطني أوكرانيا» (Patriot of Ukraine) في 2005، وكان أحد مؤسسي «الجمعية الاجتماعية الوطنية» (Social-National Assembly) التي وصفتها تقارير بأنها تروّج لقومية عرقية متطرفة. 

في 2011 اعتُقل بتهمة السطو والاعتداء، لكنه أُفرِج عنه في فبراير/شباط 2014 بعد ثورة الميدان، حين اعتبرت الحكومة الجديدة أنه «سجين سياسي» في عهد الرئيس المخلوع يانوكوفيتش. 


بعد تصاعد الاضطرابات الموالية لروسيا في شرق أوكرانيا، أسّس بيليتسكي في 5 مايو/أيار 2014 «كتيبة آزوف» كوحدة متطوعة ممولة ذاتياً، قبل أن تُدمج في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 ضمن الحرس الوطني الأوكراني كـ «فريقة العمليات الخاصة آزوف». 

الشعار، الأيديولوجيا، و«الزعيم الأبيض»

لطالما ارتبط اسم بيليتسكي بجدل «النازية الجديدة» في أوكرانيا. ففي 2010 نُقل عنه قوله إن «مهمة أمتنا التاريخية في هذه اللحظة الحرجة هي أن نقود ونوجّه الشعوب البيضاء في جميع أنحاء العالم إلى الحملة الصليبية الأخيرة ضد "اللابشر" الذين يقودهم الساميون». 

هذه العبارة، التي استخدمت مصطلح «Untermenschen» النازي، جعلت منه هدفاً سهلاً لروسيا في حملة «إزالة النازية» التي استُخدمت ذريعة لغزو أوكرانيا عام 2022.

في 2013 نشر كتيّباً بعنوان «كلمة الزعيم الأبيض» (The Word of the White Leader)، وهو ما عزّز وصفه بـ «الزعيم الأبيض» في تقارير غربية مثل البي بي سي وصحيفة الغارديان. 


أما كتيبة آزوف، فاتخذت رمز «فولفسانغل» (Wolfsangel) الذي يشبه شعارات استخدمتها فرق SS النازية، وهو ما وفّر لروسيا مادة إعلامية قوية لوصم القوات الأوكرانية بالنازية، رغم أن بيليتسكي نفى لاحقاً أن يكون الرمز نسخاً من الشعار النازي. 

مسار قيادي بين السياسة والجيش

انتُخب بيليتسكي عضواً في البرلمان الأوكراني (الفيرخوفنا رادا) في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، واستمر حتى يوليو/تموز 2019، حيث ترأس حزب «National Corps» الذي أسّسه في 2016. 

ورغم ذلك، لم ينجح حزبه في تجاوز عتبة 5% في انتخابات 2019، وفقد مقعده البرلماني. 

بعد الغزو الروسي الشامل في فبراير/شباط 2022، أعاد بيليتسكي تنظيم قدامى «آزوف» في مجموعة تكتيكية حول كييف، ثم تطوّرت في 2023 إلى «لواء الهجوم الثالث» (3rd Assault Brigade) الذي قاده شخصياً. 

في 2025 رُقّي إلى رتبة عميد، وتولّى قيادة الفيلق الثالث للجيش الأوكراني، الذي يضم اللواء الثالث كوحدة نواة. 

دعم غربي، وتدريب في أوروبا؟


في 2023، أشارت تقارير إلى أن مقاتلين أجانب انضموا إلى تشكيلات «آزوف» وفيلق بيليتسكي، لكن المعلومات حول دعم مباشر من دول أوروبية لتدريب «آزوف» مع نازيين جدد تبقى غير مؤكدة رسمياً. 

ما هو مؤكد أن الولايات المتحدة رفعت في يونيو/حزيران 2024 حظراً كان يمنع «لواء آزوف» من استخدام الأسلحة الأميركية، بعد أن أثبتت الفحوصات (Leahy vetting) عدم وجود أدلة على انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من قبل الوحدة. 

حرب دعائية: روسيا تستغلّ بيليتسكي، وأوكرانيا تلمّع الصورة

تستخدم روسيا بيليتسكي و«آزوف» كأداة دعائية مركزية لتبرير غزوها، حيث تصف كييف بأنها «دولة نازية» تسيطر عليها جماعات متطرفة. 

في المقابل، تحاول أوكرانيا و«آزوف» تلميع صورتها، إذ تُظهر تقارير أن الوحدة أصبحت أكثر احترافية، وتضمّ مقاتلين يهوداً وإسرائيليين، وتنفي ارتباطها الحالي بأيديولوجيات عنصرية. 

هل أوروبا صنعت «جلادها»؟

السؤال الذي يطرحه النقاش اليوم: هل ساهمت أوروبا، عبر دعمها غير المباشر أو صمتها، في صعود قائد مثل بيليتسكي، الذي يجمع بين الكفاءة العسكرية والأيديولوجيا المتطرفة؟

في بولندا ودول البلطيق، تلقى بيليتسكي دعمًا معنويًا من جمعيات يمينية، لكن لا توجد أدلة قاطعة على دعم رسمي من الحكومات الأوروبية. 

أما أوروبا الشرقية، فتجد نفسها في موقف صعب: من ناحية، تدعم أوكرانيا ضد روسيا، ومن ناحية أخرى، تخشى من تداعيات صعود تيارات متطرفة قد تهدد الاستقرار الداخلي.

ختاما 

أندري بيليتسكي ليس مجرد قائد عسكري، بل هو رمز لقومية متطرفة لم تتخلّ تماماً عن جذورها، لكنها تكيّفت مع واقع الحرب. 

أوروبا، التي دعمت أوكرانيا سياسياً وعسكرياً، تجد نفسها اليوم أمام مفارقة: هل يمكن هزيمة روسيا دون الاعتماد على قيادات مثل بيليتسكي؟ وهل يمكن ضمان ألا تتحول هذه القيادات إلى «جلاد» مستقبلي لأوروبا نفسها؟

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

10390
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.