"هيكتور " .. أول جرذ يعود سالماً من الفضاء قبل أسابيع من رحلة غاغارين
في صباح الثاني والعشرين من فبراير عام ١٩٦١، حبس العالم أنفاسه تحت سماء الصحراء الجزائرية، بينما كان صاروخ فرنسي صغير يستعد لحمل راكب من نوع مختلف تماماً: جرذ أبيض يبلغ من العمر ثلاثة أشهر فقط، أطلقت عليه الصحافة اسم "هيكتور"، ليصبح أول كائن حي ترسله فرنسا إلى الفضاء، وأول من يعود منها سالماً في هذه المرحلة المبكرة من السباق الفضائي.
رحلة من قاعدة هامّاغير
انطلق هيكتور على متن الصاروخ الاستكشافي "فيرونيك" (Véronique) من قاعدة هامّاغير العسكرية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، التي كانت آنذاك مركز التجارب الفضائية الفرنسية قبل استقلال الجزائر. بلغ الصاروخ ارتفاعاً تراوح بين ١١٠ و١٢٠ كيلومتراً، أي عتبة الفضاء الرسمية، في رحلة استغرقت بالكامل نحو ٨ دقائق و١٠ ثوانٍ.
خلال هذه الرحلة، عاش هيكتور نحو ٥ دقائق في حالة انعدام الوزن، لم تكن متصلة بالكامل، إذ تخللتها لحظات تسارع حاد بلغت ٨ إلى ١٢ ضعف الجاذبية الأرضية عند انفصال مقدمة الصاروخ، وهي ظروف قاسية جسدياً وعصبياً لكائن بحجم الجرذ.
تجربة علمية دقيقة
لم تكن الرحلة عشوائية؛ فقد جُهّز هيكتور بأقطاب كهربائية مزروعة داخل دماغه لتسجيل نشاطه العصبي وإرساله لاسلكياً إلى الأرض، إضافة إلى جهاز لتخطيط القلب وكاميرتين لمراقبة سلوكه أثناء الطيران. كان الهدف الرئيسي فهم تأثير انعدام الجاذبية والتسارع الشديد على الجهاز العصبي والحيوي، تمهيداً لإرسال كائنات أكثر تعقيداً، ثم البشر لاحقاً.
اختير هيكتور من بين سبعة جرذان تدربت لهذه المهمة، وكانت التجربة جزءاً من برنامج "مركز دراسات وأبحاث الطب الفضائي" الفرنسي (CERMA)، الذي جاء بعد سنوات من التجارب الأمريكية والسوفيتية المماثلة على القردة والكلاب، أبرزها رحلة الكلبة الشهيرة لايكا السوفيتية عام ١٩٥٧.
عودة آمنة وشهرة مفاجئة
بعد سقوط مقدمة الصاروخ بالمظلة على بعد نحو ٤٥ كيلومتراً من موقع الإطلاق، عُثر على هيكتور حياً وفي حالة مستقرة، لتنقله فرق الإنقاذ وسط تغطية إعلامية واسعة. تصدّرت صوره صحف باريسية كبرى، وتحول بين ليلة وضحاها إلى نجم إعلامي حقيقي، في وقت كانت فيه فرنسا تسعى لإثبات مكانتها كقوة فضائية ثالثة بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وتجدر الإشارة إلى أن نجاح هذه الرحلة سبق بأسابيع قليلة فقط رحلة رائد الفضاء السوفيتي يوري غاغارين، أول إنسان يدور حول الأرض في أبريل من العام نفسه، ما جعل تجربة هيكتور محطة مهمة، وإن كانت أقل شهرة عالمياً، في تاريخ سباق الفضاء المبكر.
نهاية القصة
عاش هيكتور بعد رحلته الفضائية أشهراً قليلة فقط، إذ خضع لتشريح علمي بعد نحو ستة أشهر من عودته، بهدف دراسة تأثير الأقطاب الكهربائية المزروعة في دماغه عن قرب، وهو مصير مشترك بين كثير من حيوانات التجارب الفضائية في تلك الحقبة.
وقد مهّدت تجربته الطريق أمام تجارب فرنسية لاحقة، أبرزها رحلة القطة الفضائية الشهيرة "فيليسيت" عام ١٩٦٣، التي تحمل لقب أول قطة تصل إلى الفضاء.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك