المقالة النقدية ....للتدريبات الأسبوعية لتعلّم الطريقة المثالية لوضع حاجة في المحمية
الحرب حين تتحول إلى تدريب... والإنسان حين يصبح رقماً، ضمن فعاليات مهرجان قسم المسرح الدولي، على مسرح الليسية.
"العبث ليس غياب المعنى، بل استمرار البحث عنه في عالم توقف عن الإصغاء."
ماذا لو أصبحت الحرب مجرد عادة أسبوعية؟ وماذا لو صار الموت إجراءً إدارياً، وأصبح الإنسان رقماً في قوائم الناجين والضحايا والمحميين؟ هل ما يقتلنا اليوم الرصاص، أم اعتيادنا على سماع أخباره حتى فقدت فداحتها الأولى؟
، يقدم مصطفى عامر تأليفاً وإخراجاً لعرض "التدريبات الأسبوعية لتعلّم الطريقة المثالية لوضع حاجة في المحمية"، مستلهماً عدداً من نصوص يوجين يونسكو؛ أسفل الحائط، الكراسي، المغنية الصلعاء، وتخريف ثنائي. غير أن حضور يونسكو هنا لا يبدو اقتباساً مباشراً، بقدر ما يبدو بوابة فكرية تسمح بالدخول إلى عالم يختلط فيه السياسي بالهزلي، والدموي بالاحتفالي، والكارثة بالنكتة.
★ بين العبث ومسرح العبث
يفتتح العرض بفيلم قصير يغلب عليه اللون الأحمر، باعتباره لوناً للتاريخ نفسه. الدماء، الحروب، والوقائع السياسية المتلاحقة تتحول إلى مدخل بصري يهيئ المتلقي لسؤال العرض المركزي: كيف أصبح الموت حدثاً عادياً في عالم فقد حساسيته تجاه الإنسان؟
مع رؤية المنشور الدعائي ( الباملفيت) نكتشف بعض الدلائل مثل النصوص العبثية التي كُتب منها النص، والخلفية الكرتونية التي اعتمدت على أسلوب لعبة ( حرب الخليج) فُهم من البداية اعلان العرض انحيازه إلى اللامنطق، لكنه لا ينتمي بالضرورة إلى مسرح العبث بمفهومه الدرامي. فثمة فارق بين أن تقدم رؤية عبثية للعالم، وأن تبني عرضاً وفق قواعد المسرح العبثي.
العرض يمتلك أحداثاً واضحة، وبنية تتطور عبر تتابع موت الأبناء السبعة واحداً تلو الآخر، وهو ما يمنحه مساراً درامياً قائماً على التكرار التصاعدي. بينما يقوم مسرح العبث عند يونسكو وبيكيت على تفكيك الحدث، وإنكار التطور، وغياب السببية، وتحول الزمن إلى دائرة مغلقة لا تتقدم.
لذلك لا يقدم مصطفى عامر عرضاً عبثياً بالمعنى الأكاديمي، بقدر ما يقدم عرضاً عن عبثية العالم؛ عالم يستطيع أن يقتل الملايين، ثم يوزع من تبقى منهم على "المحميات" كما لو كانوا أشياء قابلة للحفظ.
يختار العرض أسرة لا تربطها رابطة الدم. رجل وامرأة يربيان سبعة أبناء، يمثل كل واحد منهم يوماً من أيام الأسبوع. لكن الأيام هنا لا تقود إلى المستقبل، بل إلى المقبرة.
ستموت الأيام السبعة جميعها.
ستموت بطريقة ساخرة، وربما سخيفة.
ثم يعود كل شيء من جديد، ويظهر الرجل والمرأة في النهاية كما ظهرا في البداية، وكأن الزمن يعيد إنتاج نفسه بلا نهاية.
هنا تقترب بنية العرض من فكرة الدوران الأبدي؛ فلا الحروب تنتهي، ولا الضحايا يتوقفون، ولا العالم يتعلم من كوارثه. وكأن التاريخ لا يكتب نفسه إلا بالدم.
وسط هذه البنية يزرع العرض سلسلة من العلاقات غير المنطقية؛ زوج يرتدي البنطال مكان القميص، عشيق يبحث عن زوج عشيقته ليربي أبناءً ليسوا أبناءه، وعاقر تنجب طفلاً في مفارقة تهدم قوانين الواقع. ليست هذه التفاصيل مجرد غرابة شكلية، بل محاولات لصناعة عالم فقد منطقه الأخلاقي قبل أن يفقد منطقه العقلي.
يمكن قراءة هذه العلاقات بوصفها إسقاطاً على السياسة الدولية؛ حيث تتبنى القوى الكبرى حروب الآخرين، وتعيد توزيع المسؤوليات والضحايا تحت عناوين الحرية أو الحماية أو الدعم. غير أن العرض، بعد أن يلمح إلى هذا المستوى الرمزي، يعود سريعاً إلى سلسلة من المواقف الكوميدية المتتابعة، فتتراجع الفكرة أحياناً أمام الرغبة في إنتاج الضحك.
ومن هنا يفرض العرض سؤاله الأكبر:
هل نحن أمام أطروحة عن الموت العبثي الذي تمارسه السياسة العالمية بحق الشعوب؟ أم أمام مجموعة من الإسكتشات الساخرة التي تستخدم العبث ذريعة لإنتاج الكوميديا؟
يبقى السؤال مفتوحاً، لأن العرض نفسه لا يحسم موقفه، بل يتنقل بين الفكرتين باستمرار.
لكن هل يونسكو... مرجع للنص أم مفتاح للمخرج؟
إشارة مصطفى عامر إلى نصوص يوجين يونسكو تبدو أقرب إلى إعلان انتماء فكري منها إلى اعتماد درامي مباشر.
فمن يتأمل تجارب المخرج السابقة؛ مثل لوبي، والسيد جورج فليبو الذي ترفع له القبعات فيأكلها، وماهاجوني، يدرك أن مشروعه الإخراجي قائم منذ سنوات على التغريب، واللامنطق، والكوميديا السوداء، والاحتفال الساخر، بوصفها أدوات لتعرية الواقع لا للهروب منه.
ولذلك قد تكون العودة إلى يونسكو هنا مدخلاً موازياً لقراءة العرض، لكنها ليست مفتاحه الوحيد. فالعرض يحمل بصمة مصطفى عامر أكثر مما يحمل بصمة الكاتب الفرنسي؛ إذ يعيد إنتاج العبث وفق لغته المسرحية الخاصة، لا وفق القواعد الكلاسيكية لمسرح العبث.
★معرض الشخصيات الملونة
اعتمد الأداء على تنوع واضح بين الكوميديا الهزلية، وكوميديا الموقف، والكاريكاتير، والكليشيه، مع قدرة ملحوظة على تبديل الشخصيات والانتقال بينها بسرعة.
وبرز الثلاثي عامر، ومازن، والشناوي في تعدد الشخصيات، وتغيير الملابس، والمكياج، والإيقاع الأدائي، بينما قدم الأبناء السبعة والطبيب والممرضان حضوراً لافتاً داخل الفواصل الانتقالية.
وأهم ما ميز الأداء هو الإيمان الكامل بجدوى كل شخصية، مهما بلغت غرابتها.
غير أن هذا الإيقاع لم يحافظ على توهجه طوال العرض؛ إذ أصابه الفتور في بعض مشاهده، ربما لأن مساحة الارتجال كانت أوسع من اللازم، وربما لأن بناء عدد من المشاهد اعتمد على أفكار منفصلة لا يجمعها سوى فكرة رئيسية واحدة: لا منطقية موت الأبناء السبعة. ومع تكرار هذه البنية، خفتت المفاجأة الدرامية أحياناً، وفقدت بعض المقاطع قدرتها على إبقاء المتلقي في حالة ترقب دائم.
★ كرنفال فوق أنقاض العالم
تنجح السينوغرافيا في بناء عالم رمزي شديد الاتساق مع الفكرة.
تتوسط الخلفية ساعة كبيرة جاءت أرقامها غير مرتبة، وكأن الزمن نفسه فقد منطقه. وعلى الجانبين تظهر الشمس والقمر، لا باعتبارهما تعاقباً طبيعياً للنهار والليل، بل كرسوم طفولية تبعث على السخرية، وكأن العالم كله أعيد رسمه بعين طفل يشاهد الخراب للمرة الأولى.
في أعلى الخشبة تتدلى صناديق تسقط تباعاً مع موت كل واحد من الأبناء السبعة، في إشارة بصرية إلى سقوط الحياة نفسها. بينما تتحول زجاجات ملونة فوق الأرجوحة إلى بديل رمزي للأطفال، في سخرية مرة من اختزال الإنسان إلى شيء يمكن ترتيبه أو حفظه أو استبداله.
أما الأزياء، فقد انحازت إلى الطابع الكاريكاتيري، لتصبح امتداداً للهزل الذي يغطي المأساة، بينما صنعت الإضاءة والموسيقى فضاءً كرنفالياً صاخباً، يحتفل بالعالم في اللحظة نفسها التي ينهار فيها.
إنها مفارقة قاسية؛ العالم يرقص، بينما الأطفال يموتون.
في النهاية...
لا يبدو أن مصطفى عامر يسعى إلى تقديم تعريف لمسرح العبث، بقدر ما يحاول أن يعرض عالماً صار أكثر عبثاً من المسرح نفسه.
لكن يبقى السؤال معلقاً حتى بعد إسدال الستار:
هل نجح العرض في بناء نموذج مسرحي يجعلنا نرى عبث الواقع السياسي من خلال أدوات فنية متماسكة؟ أم أنه اكتفى بتقديم عرض كوميدي يقوم على فكرة عبثية، ثم تركها تتشظى داخل سلسلة من اللوحات الساخرة؟
ربما لا تكمن قيمة العرض في الإجابة، بل في استمرار السؤال.
فحين يصبح موت الملايين خبراً عابراً، وتتحول الحروب إلى تدريب أسبوعي، ويولد أسبوع جديد ليعيد المأساة ذاتها... فإن المشكلة لم تعد في العالم وحده، بل في قدرتنا نحن على التعايش مع عبثه، حتى صار يبدو طبيعياً.
تحياتي لفريق العمل
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك